لعنة الفراعنة بين الحقيقة والاسطورة – بقلم – السيد البدوي
” إن الموت سوف يقضي بجناحيه علي كل من يحاول أن يزعج هذا الفرعون أو يعبث بقبره””انا الذي يطرد لصوص القبر بلهب الصحراء، إنني أنا حامي قبر توت عنخ آمون””إن كل من يحاول جلب الشر إلى المقبرة فإن فرس النهر سوف يفترس عظامه والتمساح والأسد سيأكلان لحمه ،وسوف يسري سم حيات الكوبرا في جسده” كل هذه النصوص التي تثير الخوف وتبث الرعب في النفوس نقشت بداخل مقبرة الملك الصغير ” توت عنخ آمون” ومع ذلك عذرا أيها الفرعون الصغير فإن هذه النصوص لم تغن عنك شيئا ، فها هي مقبرتك بالكامل قد نهبت كل محتوياتها وأصبحت أنت نفسك “انتيكة” تعرض في المتاحف ليشاهدها الصغار قبل الكبار ولم يتحرك فرس النهر ولا التمساح ولا الأسد للقضاء علي “هوارد كارتر”مكتشف المقبرة والعابث بمحتوياتها، ولم يسر سم الحيات في جسد اللورد “كارنرفون”ممول البعثة .إعترف يا عزيزي “توت ” بأنك كنت خائف مثلك مثل سائر أقرانك من الفراعنة من سرقة مقبرتك والعبث بمحتوياتها لأنك كنت تعلم جيدا ما قاله الحكيم “إيبوور”عن الثورة الاجتماعية الأولى بأنه “قد نهبت الدواوين الحكومية وسرقت المقابر وحطمت تماثيل الآلهة “

إذا عزيزي “توت ” عندما يجوع الناس تتلاشى القدسية ويضيع جلال السلطان أمام إلحاح البطون الخاوية. ولأنك تعلم ذلك جيدا فقد خبأت مقبرتك بعيدا عن الأعين في وادي الملوك ،وبنيتم مدينة كاملة سميت بمدينة العمال في عهد رمسيس الثالث ووضعتم فيها العمال والحرفيين الذين يبنون وينحتون لكم المقابر والتماثيل ، ليس تقديرا لهم ، بل لكي يكونوا تحت بصركم وأعينكم كي لا يفشوا بأسرار هذه المقابر ولا أماكنها للصوص أو يسرقوها هم أنفسهم . أليس ذلك صحيحا يا “توت ” لقد حاولت جاهدا أن تنقذ مقبرتك ونجحت بالفعل لفترة طويلة ولكن مع الأسف لحق بها ما لحق بغيرها من
الأذي والعبث. إذا ماذا حدث يا تري؟
إن الحكم الديني الثيوقراطي العتيق في مصر القديمة جعل من الحاكم أو الفرعون مركزا لإدارة الكون بأسره هكذا نسجت أساطيرهم فتارة هو ابن الإله وتارة هو نصف إله حتي الوصول إلي أنه إله كامل محاط بهالة من القدسية والعظمة جعلت هؤلاء الفراعنة يصدقون ذلك بالفعل ويتصرفون علي أساسه ، وكما يقول “كارل ماركس”بأن الدين هو أفيون الشعوب، فبلا منازع كان المصريون القدماء من أوائل شعوب الأرض عملا بهذه المقولة،حيث استمرأ المصريون هذا الأفيون وساروا به أغلب فترات حياتهم تحت وطأة حكم الفرعون المؤله. فراح هؤلاء الفراعنة يجلدون ظهور المصريين ليجبوا منهم الضرائب ليبنوا أهراماتهم الشاهقة ومقابرهم الثرية الفاخرة. ولكن كحال أي عصر أو أمة يكون هناك مارقين يكفرون بهذه التقاليد والعادات ،وكان هؤلاء هم لصوص المقابر الذين كانوا يؤرقون مضاجع الفراعنة طوال العصور وكانوا يعملون لهم ألف حساب وكانت الحرب مستمرة ومستعرة بين الطرفين وغالبا ما كان النصر حليف اللصوص.لم تنفع نصوص اللعنات هذه تلك المقابر ولم تنقذها من السرقة علي مر العصور وكذلك لم يجد السحر الذي احترفه المصريون نفعا في حماية المقابر من اللصوص ،إن مقبرة الملكة “حتب حرس “زوجة الفرعون العظيم “سنفرو”قد تعرضت للسرقة في عهد ابنها “خوفو في منطقة دهشور حيث هرم سنفرو مما جعل خوفو ينقل محتوياتها سرا الي جنوب هرمه في منطقة الجيزة ويحفر بئرا ويخبأ محتوياتها وأثاثها الجنازي فيه.لقد كان ذلك في عصر بناة الأهرامات القوي ومن وقتها حافظ الكهنة علي طقس لعنة لصوص المقابر حتي نهاية عصر الدولة القديمة ولكن هيهات لقد استمرت السرقات طوال العصور، ومن كثرتها نري الفرعون “سيتي الأول “يفرض عقوبات قاسية بحق من يسرق ممتلكات مؤسسة دينية بقطع الأنف والأذنين وان يعمل في فلاحة الأرض التابعة للدولة وهو ما أطلق عليه المصري القديم “الخدمة العقابية”اذا عزيزي الفرعون الصغير إنكم في أوج العظمة والقوة لم تستطيعوا حماية مقابركم وأنتم أحياء فهل يعقل أن تمتد لعنات المقابر الطقسية هذه لآلاف السنين ،اي عقل واي منطق يستطيع تصديق ذلك،إن كل ما نسج عن لعنة الفراعنة هو محض إفتراء تجلي بعد أن كتب الكاتب “لويس بنشيه “قصة في أواخر القرن السابع عشر تدور حول لعنة المومياوات، وأن اول من استخدم تعبير “لعنة المومياوات “هي الكاتبة “لويزا ماي الكوت” في قصتها “مفقود في الهرم” وكذلك فيلم المومياء للمخرج “كارل فرويند”وبعد اكتشاف مقبرة الملك “توت ” ازدادت الأساطير والروايات الهزلية التي تحكي عن لعنة الفراعنة والتي أصبحت أيضا مصدر رزق للعديد من الأفاقين والنصابين، الذين اتخذوا من هذه الروايات المخيفة عن اللعنة والجن الذي يحرس المقبرة ،مادة خصبة للدجل والشعوذة للحصول علي أموال طائلة من السذج والبسطاء الذين يبحثون عن كنوز الفراعنة المخبأة منذ آلاف السنين ولو حتي أسفل منازلهم وتحت أسرتهم