لا تجعلوا السجون مقابر للأحياء… أقرّوا قانون العفو العام

بقلم : د. ليون سيوفي

باحث وكاتب سياسي

كم من إنسان دخل السجن شابًا، وما زال ينتظر محاكمته وقد خطّ الشيب رأسه؟ وكم من أم رحلت عن الدنيا وهي تنتظر رؤية ابنها حرًا؟ وكم من طفل كبر محرومًا من حضن أبيه، ليس لأن القضاء قال كلمته، بل لأن المحاكمة لم تأتِ أصلًا؟

أي عدالة هذه التي تجعل الإنسان ينتظر سنوات طويلة خلف القضبان قبل أن يعرف مصيره؟

إننا لا ندافع عن الجريمة، ولا نطلب إسقاط هيبة الدولة، بل نطالب بدولة قوية تُطبّق القانون بعدالة وسرعة، لا بدولة يتحول فيها التوقيف الاحتياطي إلى عقوبة مفتوحة، قد تستمرs سنوات قبل صدور أي حكم.

إن بين السجناء من صدرت بحقهم أحكام، وبينهم أيضًا موقوفون ينتظرون محاكماتهم منذ سنوات. وقد يكون بعضهم مذنبًا، وقد يكون بعضهم بريئًا، لكن الجميع يستحق محاكمة عادلة ضمن مهلة معقولة، لأن العدالة التي تتأخر كثيرًا قد تفقد جزءًا من معناها.

لقد تحولت السجون اللبنانية، بفعل الاكتظاظ وسوء الأوضاع الصحية والإنسانية، إلى أزمة وطنية لا يجوز التعامل معها كملف سياسي موسمي يُفتح عند الحاجة ويُغلق عند انتهاء المساومات.

فإلى متى يبقى هذا الملف رهينة الحسابات السياسية؟

إلى متى يبقى الإنسان رقمًا في ملف، بينما عمره يضيع خلف القضبان؟

إن لبنان بحاجة إلى شجاعة في اتخاذ القرار، وإلى مقاربة إنسانية وقانونية تعيد الثقة بالدولة ومؤسساتها. وإذا كان قانون العفو العام سيُطرح للنقاش، فينبغي أن يكون ضمن إطار دستوري واضح، يوازن بين تحقيق العدالة، وصون حقوق الضحايا، والحفاظ على أمن المجتمع، ومعالجة المظالم التي نتجت عن طول أمد التوقيف أو ظروف استثنائية.

كفى المتاجرة بآلام الناس.

كفى تحويل حياة آلاف العائلات إلى أوراق تفاوض.

وكفى تأجيلًا لملف يمس كرامة الإنسان قبل أي شيء آخر.

ان الدولة التي تمنح العدالة في وقتها، وتُنهي الملفات العالقة، وتفتح باب الإصلاح وإعادة الاندماج لمن يسمح القانون بذلك، هي دولة تحمي المجتمع أكثر من دولة تترك الجراح مفتوحة بلا أفق.

الحياة أقصر من أن تُقضى في انتظار قرار، وأثمن من أن تضيع بين تأجيل جلسة وتأجيل أخرى. لذلك، فإن المسؤولية الوطنية والأخلاقية تفرض على مجلس النواب والحكومة والقضاء العمل سريعًا لإنهاء هذا الملف، سواء عبر تسريع المحاكمات، أو إقرار التشريعات المناسبة، أو اعتماد أي حلول قانونية عادلة تضع حدًا لمعاناة امتدت سنوات طويلة.

فالعدالة ليست انتقامًا… والرحمة ليست ضعفًا… والدولة القوية هي التي تعرف كيف تُنصف، لا كيف تؤجل الإنصاف.

لقد حان الوقت لقرار شجاع… قرار يعيد الأمل إلى آلاف العائلات، ويؤكد أن لبنان لا يزال وطنًا يؤمن بأن الإنسان وكرامته هما أساس كل عدالة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى