*مَنْ أَنَا؟* بقلمي : الشاعرة :حبيبة سبيع

*مَنْ أَنَا؟*
أَتُوهُ بَيْنَ شَتَاتِ نَفْسِي،
وَلَا أَعْرِفُنِي.
لَا أَعْرِفُ مَنْ أَنَا.
أَتَخَبَّطُ بَيْنَ عَوَاصِفِ الرِّيَاحِ،
وَلَا أُجِيدُ الوُقُوفَ الآنَ.
هَا أَنَا لَمْ أَعْثُرْ عَلَى نَفْسِي فِي صَحْرَائِي اليَابِسَةِ،
أُفَتِّشُ عَنْ دَلِيلٍ لِخُطُوَاتِي،
فَأَيْنَ خُطَايَ؟
لَقَدْ مُحِيَتْ آثَارُهَا،
وَضَلَلْتُ طَرِيقِي إِلَيَّ.
سِرْتُ فِي دُرُوبٍ لَيْسَ لَهَا نِهَايَةٌ،
فَكَيْفَ لِي أَنْ أَعُودَ،
وَأَنَا لَا أَعْلَمُ مَنْ أَنَا؟
أَرَى ظِلِّي يُفَارِقُنِي؛
كَانَ مِنْ نُورٍ،
فَصَارَ ظَلَامًا عَاتِمًا.
رَجَوْتُهُ أَنْ يَبْقَى،
وَلَكِنَّهُ ارْتَحَلَ عَنِّي.
فَمَنْ أَنَا؟
أَيْنَ أَنَا؟
هَلْ ضِعْتُ حَقًّا
بَيْنَ هَوَاجِسِي
وَبَرَاءَتِي وَشُرُورِي،
وَكَآبَتِي وَغُرْبَتِي؟
كَيْفَ لِي أَنْ أَجِدَ نَفْسِي،
وَأَنَا ضَائِعَةٌ بَيْنَ نَفْسِي؟
أَمْ أَنَّنِي كُلَّمَا اقْتَرَبْتُ مِنْهَا،
أَضَعْتُهَا مِنْ جَدِيدٍ…
فَمَنْ يُرْشِدُنِي إِلَيَّ؟
أَمْ أَنَّنِي كُلَّمَا اقْتَرَبْتُ مِنْهَا،
أَضَعْتُهَا مِنْ جَدِيدٍ…
فَمَنْ يُرْشِدُنِي إِلَيَّ؟
وَمَنْ يَدُلُّنِي عَلَى مَنْ أَنَا؟
فَقَدْ أَضَعْتُ طَرِيقِي إِلَيَّ،
وَلَا أَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ أَبْدَأُ البَحْثَ عَنِّي.

بقلمي الشاعرة :

حبيبة سبيع

±+++++++++++

لماذا تلمسنا هذه القصيدة

هذه ليست قصيدة حزينة فقط، هي خريطة للتيه الداخلي. سؤال واحد يتكرر فيها بكل الأشكال: مَنْ أَنَا؟

دعيني أفككها لكِ طبقة طبقة، كما كتبتها حبيبة:
1. البداية: انقسام الذات
أَتُوهُ بَيْنَ شَتَاتِ نَفْسِي
هي لا تقول “تُهتُ في الدنيا” بل “في شتات نفسي”. التيه هنا داخلي. كأن النفس ليست واحدة، بل قطع متناثرة وهي تحاول أن تجمعها ولا تعرف من أين تبدأ. وهذا هو لب الأزمة الوجودية، أن تشعري أنكِ موجودة لكن بلا مركز.

أتخبط بين عواصف الرياح ولا أجيد الوقوف الآن
صورة قوية للعجز المؤقت. ليست ضعفا دائما، هي تقول “الآن”. الرياح ليست خارجية، هي الأفكار، الذكريات، القرارات. تحاول أن تقف لتثبت، لكن الأرض نفسها تتحرك تحتها.
2. استعارة الصحراء
لم أعثر على نفسي في صحرائي اليابسة، فأين خطاي؟ لقد محيت آثارها
هنا تحول التيه الداخلي إلى مكان. صحراء يابسة، لا ماء فيها ولا علامة. أخطر ما في الصحراء ليس الحر، بل انمحاء الأثر. هي تنظر وراءها لتتعلم من ماضيها، من خطواتها القديمة، فلا تجد شيئا. كأنها بدأت من الصفر، وضاعت حتى بوصلة الماضي.

وهذا يفسر السطر الذي بعده:
سرت في دروب ليس لها نهاية
عندما لا يكون هناك أثر ولا دليل، كل الطرق تبدو لا نهائية. لا وصول.
3. صورة الظل التي توجع أكثر
أرى ظلي يفارقني، كان من نور فصار ظلاما عاتما
هذه ذروة القصيدة فنيا ونفسيا. الظل عادة يتبعنا، هو أصدق مرافق. لكن عندما يفارقك ظلك، فهذا يعني أنكِ فقدتِ حتى انعكاسك، حتى نفسكِ التي كانت تلازمك.

والتحول من “نور” إلى “ظلام عاتم” ليس مجرد حزن. هو سقوط من حالة براءة أو إيمان أو طمأنينة سابقة، إلى عتمة ثقيلة. هي رجته أن يبقى، لكنه ارتحل. كأن جزءا مضيئا فيها استسلم ومشى.
4. المواجهة الأخيرة مع الذات
هل ضعت حقا بين هواجسي وبراءتي وشروري وكآبتي وغربتي؟
هنا اعتراف شجاع جدا. هي لا تقسم نفسها إلى خير وشر فقط، بل تضع كل التناقضات على طاولة واحدة. براءتي وشروري معا. كآبتي وغربتي معا. هي تفهم أن الضياع سببه أنها تحتوي كل هذا في وقت واحد ولا تعرف أي واحدة هي “الأنا” الحقيقية.

لذلك السؤال الأخير يتغير:
من “من أنا؟” إلى “من يرشدني إليّ؟”
البحث لم يعد فكريا فقط. صار نداء استغاثة. أنا لا أستطيع أن أجدني وحدي، أحتاج من يدلني على طريقي إليّ. وتكرارها للبيت مرتين في النهاية ليس خطأ، هو تعمد. كأن الصوت يصدح في فراغ الصحراء ولا يجيب أحد، فتضطر أن تعيد النداء.
لماذا تلمسنا هذه القصيدة؟
لأنها لا تدعي القوة. معظم نصوص الهوية تحاول أن تجيب، هذه النص تملك شجاعة أن تبقى سؤالا.

هي مكتوبة بلغة نثرية بسيطة بلا تكلف، لأن التيه الحقيقي لا يحتاج زخرفة. والإيقاع كله قائم على التكرار والأسئلة القصيرة المتتالية، مثل أنفاس متقطعة لشخص يركض في صحراء.

جمالها أن نهايتها ليست مغلقة. “ولا أعلم من أين أبدأ البحث عني” ليست يأسا تاما، هي بداية صادقة. فأول خطوة لتجدي نفسك هي أن تعترفي أنكِ أضعتِ الطريق إليكِ

عرب تليجراف

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى