قمة السبع .. غابت عنها القضايا العربية؟

ناقشت قمة مجموعة السبع طيفا من القضايا كحرائق غابات الأمازون وأزمة التجارة العالمية.. في المقابل لم تطرح قضايا عربية ساخنة كالملف السوري أو الليبي أو اليمني.. فما سبب هذا التجاهل خصوصا أن الملف الإيراني كان حاضرا بقوة؟ ملفات شائكة ناقشتها قمة مجموعة السبع بمنتجع بياريتس الفرنسي، إلا أن القضايا العربية الكبرى لم تكن مطروحة على جدول أعمال القادة، على الرغم من مشاركة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي تترأس بلاده الدورة الحالية للاتحاد الإفريقي إلى جانب وضعها العربي والإقليمي.

الرئيس الفرنسي : “مسالة الموازنة بين الطرف الخليجي  والطرف الإيراني طرحت للنقاش بالفعل”.

لماذا فرض ماكرون الملف الإيراني على قمة السبع؟

شغل الملف النووي الإيراني والاعتداءات على حركة الملاحة في مضيق هرمز حيزاً مهماً خلال قمة مجموعة دول السبع الكبرى المنعقدة في مدينة بيريتز الفرنسية.
وذكرت صحيفة “لوفيجارو” الفرنسية أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فرض الملف الإيراني على طاولة المحادثات في القمة لمنع إيران من عرقلة حركة الملاحة في مضيق هرمز والتوصل إلى حل للأزمة.
وتحت عنوان “ماكرون يفرض إيران على قائمة مجموعة السبع”، قالت الصحيفة: “إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أعلن صراحةً أنه لا يرغب أي عضو في مجموعة السبع امتلاك طهران أسلحة نووية”.

اعداد – علي خليل

وأشارت الصحيفة الفرنسية إلى أن باريس استضافت وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف على هامش القمة في اجتماع مرتجل للتفاوض بشأن الأزمات التي تسببها إيران في المنطقة.
ووفقاً للصحيفة الفرنسية، فإنه في الوقت الذي اعترف فيه ماكرون بأنه غير مفوض من أي عضو من أعضاء مجموعة السبع للتوسط في الملف الإيراني، اتفق الجميع خلال القمة على أنهم لا يرغبون في امتلاك إيران سلاح نووي، كما يرفضون تصاعد التوترات في منطقة الشرق الأوسط.

وشبهت الصحيفة الحديث عن الملف النووي الإيراني كمن يسير على جسر تطارده النيران، إذا حدث أي خطأ يحترق الجسر ويتصاعد الدخان في كل مكان، موضحة أن الأزمة الإيرانية أدت إلى فوضى واضحة في دول المحيط الأطلسي.
وأضافت “لوفيجارو” أن الملف الإيراني يشكل أولوية للسياسة الخارجية لإدارة ماكرون، موضحة أن ماكرون يرغب في جعل فرنسا “قوة وساطة” مكرساً جهوده الدبلوماسية منذ أشهر عدة للتوصل إلى حل وسط بين الولايات المتحدة وإيران وتجنب إحراق المنطقة.
ونقلت الصحيفة الفرنسي عن مصدر دبلوماسي قريب من الملف، لم تسمه، قوله: “الرئيسان الفرنسي والأمريكي يتشاركان في هدف مشترك، هو منع إيران من امتلاك القنبلة النووية، وكبح تقدمها الإمبريالي في المنطقة وزعزعتها لاستقرار الشرق الأوسط”، موضحاً أن لكل منهما استراتيجيته المختلفة لتحقيق ذلك الهدف.
ولفت الدبلوماسي الفرنسي إلى استراتيجية ماكرون بإرسال مبعوثه الخاص للملف إيمانويل بون الشهر الماضي للتفاوض مع المسؤولين الإيرانيين، في المقابل يشدد ترامب العقوبات تدريجياً على النظام الإيراني لتغيير سلوكه.
وأكد الدبلوماسي الفرنسي أن هدف ماكرون هو منع إيران من إغلاق مضيق هرمز وعدم فتح جبهة جديدة في الشرق الأوسط”، مضيفاً “ليس لدينا أي ضمان لنجاح المفاوضات مع إيران، ولكن فرنسا تريد أخذ زمام المبادرة لحماية المضيق ومنع تأجج المنطقة”.

من جانبه، قال مصدر في قصر الإليزيه: “إن طرح الملف الإيراني على طاولة مجموعة السبع خطوة تتماشى مع جهود ماكرون لوقف التصعيد في الملف والتفاوض لحماية مضيق هرمز”.

لماذا غابت القضايا العربية؟

ملفات ساخنة تلك التي تتعلق بالمنطقة العربية، فمن ليبيا إلى العراق إلى سوريا إلى اليمن لا تهدأ الأمور إلا لتعود لتشتعل من جديد. وعلى الرغم من ذلك لم تطرح أي من هذه القضايا على طاولة قادة الاقتصاد العالمي.

وبدا أن أغلب تفاصيل القمة كانت متمحورة بشكل ما حول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، “حيث كان واضحاً مدى اهتمام الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بالعمل على التقريب بين إيران وأمريكا، وكانت هذه القضية هي الهم الشاغل للرئيس الفرنسي تحديداً”، بحسب ما يرى غسان العطية رئيسُ المعهد العراقي للتنمية والديمقراطية في حواره مع DW عربية.

ويضيف العطية أن “الحديث مع إيران يعني الحديث عن سوريا والعراق واليمن؛ ومع أن الظاهر أن الشأن الإيراني كان هو الغالب، إلا أن هذه المناقشات حملت في طياتها الاهتمام بالملفات العربية إلى حد ما”.

لكن بيير لوي ريمون المحلل السياسي الفرنسي والخبير في شؤون الشرق الأوسط يرى أن “قمة مجموعة السبع أسستها دول صناعية كبرى، بالتالي فالاهتمام منصب بالأساس على الجانب الاقتصادي إلى جانب بعض القضايا الدولية الملحة”. إلا أنه يؤكد على وجود “تهميش للقضايا غير المتعلقة بالقوى الصناعية الكبرى والقوي ذات الوزن الاقتصادي العالمي”.

G7-Gipfel in Frankreich Treffen Sarif und Macron (picture-alliance/AP Photo/Twitter Javad Zarif)
التقى ظريف بالرئيس الفرنسي وعدد من المسؤولين الفرنسيين فيما بدا تمهيداً للقاء مرتقب بين روحاني وترامب.

فرغم دعوة الرئيس المصري وعدد من القادة الأفارقة إلا أن “هناك ابتعادا عن مشاكل القارة الإفريقية ومنطقة الشرق الأوسط بشكل لا مبرر له”، مضيفاً أنه “كان من المفروض مناقشة الأزمة اليمنية والوضع في ليبيا والشرق الأوسط عموماً”.

ويضيف المحلل السياسي الفرنسي أنه إذا ما وجه السؤال لأحد القادة عن سبب ذلك التهميش “سيجيبك بأن هذه القضايا لا تدخل في نطاق اهتمامات هذا الاجتماع، وأنه ليس من ضمن الصلاحيات المباشرة للدول المجتمعة مناقشة هذه الملفات، خاصة وأن أهم الشركاء العرب المتداخلين مع هذه القضايا ليسوا ممثلين في هذا الاجتماع”.

التقارب مع إيران..فوائد لقوم ومصائب لآخرين؟

بدا واضحاً خلال الأزمة الأخيرة مع إيران أن هناك ضغطاً خليجياً شديداً على الغرب وعلى الولايات المتحدة تحديداً للقيام بعمل عنيف ضد إيران، لكن الإدارة الأمريكية لم تستجب لتلك الضغوط.

وعلى الرغم من العلاقات المتميزة بين دول الخليج العربية والولايات المتحدة، إلا أن هناك دائماً ذلك القلق المكبوت من احتمال أن يتم التوصل لاتفاق أمريكي-إيراني جديد بشأن الملف النووي، ما قد يسمح بتحسن العلاقات بين البلدين وهو ما تظن دول الخليج أنه لن يكون في صالحها أبداً.

وبحسب الخبير السياسي العراقي غسان العطية فإن هذه النقطة يمكن النظر إليها من زاويتين مختلفتين، “فبالنسبة للإمارات هناك قلق من أن التصعيد مع إيران سيكلفها كثيراً” ذلك أن “الوضع الاقتصادي في دبي يشهد تراجعاً كبيراً في الوقت الحالي”.

بيد أن العطية يرى في المقابل إنه ليس بالضرورة أن تكون الإمارات راغبة في عدم وجود تسوية سياسية دولية مع إيران، خصوصا أن “أبو ظبي لديها كم غير قليل من المشاكل نتج عن تدخلها في ملفات مثل السودان وليبيا واليمن، وبالتالي يبدو أن هناك توجهاً جديداً لدى بعض قادة الإمارات بالابتعاد عن سياسة حافة الهاوية، ما يعني أن هذا التقارب الذي بدأ في فرنسا قد يكون لمصلحة دول الخليج”.

Gassan Atya (DW/A. Hissou)
غسان العطية، مدير المعهد العراقي للتنمية والديمقراطية، (مقره لندن)

أما الزاوية الأخرى بحسب العطية فهي أن “هذه التحركات الدبلوماسية تقررها المصلحة الأمريكية أولاً وليس مصلحة الإمارات أو السعودية”، لكن هل يمكن أن تخسر أمريكا حلفاءها العرب؟ هذا أمر صعب للغاية، يجيب العطية. بيد أن العطية يستدرك قائلا إن “الأمر كله يبقى طي التكهنات والتوقعات خاصة مع شخصية مثل ترامب يصعب كثيراً التكهن بأفعالها وتحركاتها وقراراتها، لذا ستبقى الأمور مفتوحة وعلينا الانتظار”.

بدوره استبعد بيير لوي ريمون خبير شؤون الشرق الأوسط والمحلل السياسي الفرنسي أن تغامر الولايات المتحدة بفقد حلفائها الخليجيين، مضيفاً أن “مسالة حلفاء أمريكا الخليجيين لابد وأنها أثيرت في الجانب الخفي من المفاوضات التي جرت في باريس”.

فماكرون تحدث إلى القناة الثانية الفرنسية عن جانب حساس جداً لم يكشف عن فحواه من المحادثات التي دارت بينه وبين وزير الخارجية الإيراني من جهة، وبينه وبين ترامب من جهة أخرى، مشيراً إلى اعتقاده بأن “مسالة الموازنة بين الطرف الخليجي  والطرف الإيراني قد طرحت للنقاش بالفعل”.

ملف حقوق الانسان

Biarritz G7-Gipfel Donald Trump, Abdel Fattah al-Sisi (picture-alliance/AP Photo/A. Harnik)
لقاء جمع بين الرئيسين المصري والأمريكي على هامش اجتماعات مجموعة السبع

كانت قضية حقوق الإنسان ف مصر والعالم العربي واحدة من القضايا التي تم تهميشها أيضاً. قبل انقعاد القمة، دعت منظمات حقوقية عدة الرئيس الفرنسي إلى التنديد بانتهاكات حقوق الإنسان . وجاء في بيان انه في خضم أزمة حقوقية متصاعدة، طرأت انتكاسات كبيرة على مسار حرية التعبير وحرية التجمع وتكوين الجمعيات وحرية الصحافة”في بعض الدول. وأضاف البيان “كما يعتبر المجال السياسي مقيدًا للغاية وخاصة بالنسبة للأحزاب السياسية”.

وخلال لقائه مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قال الرئيس الامريكي ترامب عن السيسي: “إننا نفهم بعضنا جيداً. إنه رجل صلب، أنا أقر بذلك، لكنه أيضاً رجلٌ جيد وقام بعمل رائع في مصر.. أمر ليس سهلاً”.

ويرى غسان العطية أن الرئيس المصري “يسعى لاكتشاف دوره في المجتمع الدولي ويبدو أنه يرغب في أن يُعرف على أنه الرجل القوي، وبالتالي يتعامل العالم معه على هذا الأساس”، مضيفا أن “مسألة حقوق الإنسان تثار دولياً عندما يكون هناك مصلحة لدى الدول من اللعب بهذه الورقة وتهمل هذه القضية تماماً عندما تتعلق الأمر بقضايا أخرى، وهو الحال نفسه مع السعودية المتهمة بالكثير من التجاوزات، لكن قضية حقوق الإنسان لا تثار معها بسبب وجود مصالح أخرى تراها الدول أكثر أهمية”.

ويرى العطية أن “مجرد مجئ السيسي ولقائه مع الرؤساء هي ورقة لصالحه بالطبع وما يمكن أن يكون قد سمعه من بعض رؤساء الدول خلف الأبواب المغلقة قد يكون مفيداً للغاية لمصر ليغير السيسي قليلاً من سياساته، لكني أشك كثيراً في أن يفعل ذلك لأنه دخل في نفق من الصعب أن يتراجع عنه”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى