✍🏻 خالد رويحة  : بين هدنة الورق ونار الميدان.. ستّون يوماً على حافة العالم

اخبار الساعة – تقديم : خالد رويحة

تغطية اخبارية شاملة لما وراء الحدث

حادثة منزل محافظ عدن..

الخطر من الداخلفي عدن لم تأتِ الرصاصات هذه المرة من خصم خارجي، بل من داخل دائرة الحماية ذاتها. حادثة منزل المحافظ كشفت عن خلل أعمق من مجرد إطلاق نار عابر؛ إذ تشير الروايات إلى تمرد أحد عناصر الحراسة، ما أسفر عن سقوط أربعة قتلى بينهم طبيب سوري وزوجته كانا بالقرب من موقع الحادث.والأخطر من الواقعة نفسها هو ما تطرحه من أسئلة: كيف تسلل السلاح إلى داخل طاقم الحماية؟ ولماذا قُتل المنفذ قبل أن تتضح ملابسات الحادث؟ ولماذا تتكرر الخروقات الأمنية في مدينة تنتشر فيها عشرات الأجهزة والتشكيلات والنقاط العسكرية؟عندما يتحول الخطر إلى جزء من دائرة الحراسة، يصبح الأمر أكبر من حادثة أمنية عابرة، ويتحول إلى مؤشر على حجم التمزق والفوضى التي تبتلع المدينة تدريجياً.

الاتفاق النووي.. روايتان ومضيق واحد

كل طرف يقرأ الاتفاق بعينه. طهران تتحدث عن مذكرة تفاهم باتت أقرب إلى الإقرار النهائي، وتدعو إلى وقف التكهنات حتى تُحسم التفاصيل. في المقابل، يعلن مسؤولون أمريكيون أن التفاهم يتضمن تفكيك البرنامج النووي، وإزالة المواد المخصبة، وفتح مضيق هرمز، ومنع تمويل الحلفاء الإقليميين.لكن الرواية الإيرانية ترسم صورة مغايرة تماماً. فمضيق هرمز، وفق هذا الطرح، لن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب. حركة العبور ستخضع لترتيبات ورسوم وإشراف إيراني مباشر، مع منع مرور السفن العسكرية وقصر العبور على السفن التجارية وفق قواعد جديدة.وتبدو المسافة بين الروايتين أوسع من أن يُختزلها وصف “اتفاق”. لذلك تواصل طهران التريث قبل الإعلان النهائي، بينما يسارع الجانب الأمريكي إلى تسويق ما يعتبره مكاسب مسبقة.ويبقى السؤال: إذا كان الطرفان يقدمان روايتين متباعدتين إلى هذا الحد، فكيف سيبدو النص الحقي عندما يُعلن؟

بين هدنة الورق ونار الميدان.. ستون يوماً على حافة العالم

في الشرق الأوسط لا تُقاس الأحداث بالأيام، بل بحجم الزلازل التي تخلفها. ما جرى في 11 يونيو لم يكن بياناً سياسياً عابراً، بل لحظة فاصلة أوقفت العالم لثوانٍ بين احتمال الحرب الشاملة واحتمال التسوية المؤقتة.كانت القوات الأمريكية تستعد لضربات واسعة ضد إيران، حتى فاجأ دونالد ترامب الجميع بإلغاء العملية والحديث عن تسوية كبرى تُعدّ في أوروبا. تحركت الأسواق فوراً، وانخفضت أسعار النفط، وخيّم اعتقاد بأن المنطقة تغادر نفق الحرب.لكن خلف الإعلان كانت الصورة مختلفة. طهران لم تعتبر ما طُرح اتفاقاً نهائياً، وأكدت أن التفاصيل لا تزال محل نقاش وخلاف. بينما روّجت واشنطن لنجاح دبلوماسي، تمسكت إيران بموقفها التقليدي: التفاوض لا يعني التخلي عن أوراق القوة.ما أُعلن لم يكن اتفاق سلام، بل هدنة سياسية مؤقتة تمنح الطرفين فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأوراق.خلال أكثر من مئة يوم من التصعيد، شهدت المنطقة هزات عسكرية واقتصادية متتالية:

إسقاط مروحية أمريكية فوق هرمز،
ضربات متبادلة، وتهديدات بالسيطرة على جزيرة خارك.

لكن المفاجأة لم تكن في حجم التصعيد، بل في حجم الضغوط التي بدأت تضرب الداخل الأمريكي نفسه.في واشنطن تصاعدت الاعتراضات على توسيع الحرب، وارتفعت أصوات جمهورية وديمقراطية تحذر من الانزلاق إلى مستنقع جديد.

ومع تراجع التأييد الشعبي لأي مواجهة طويلة، وجد البيت الأبيض نفسه محاصراً بحسابات السياسة الداخلية بقدر ما كانت إيران محاصرة بالعقوبات.في الوقت ذاته كانت أسواق الطاقة تنزف. تحول مضيق هرمز إلى ساحة توتر مفتوحة، وأصبحت مئات الناقلات رهينة الغموض، فدفعت العواصم الكبرى بكل ثقلها لمنع انفجار اقتصادي عالمي.من هنا وُلدت مهلة الستين يوماً. لكنها ليست اتفاقاً بقدر ما هي اختبار نوايا.واشنطن تريد برنامجاً نووياً إيرانياً مقيداً بالكامل، ورقابة دولية صارمة، وضمانات تمنع أي اقتراب من العتبة العسكرية.
طهران ترد بأن أي تفاوض يجب أن يقابله مكاسب اقتصادية ملموسة، والإفراج عن الأموال المجمدة، ورفع

الضغوط الخانقة، دون المساس بحقها في التكنولوجيا النووية السلمية.العقدة الكبرى تبقى في ملف اليورانيوم المخصب. الثقة منعدمة، وآليات التحقق تواجه عقبات هائلة، وتنظر طهران إلى أي رقابة واسعة كثغرة أمنية محتملة.وفي المقابل، لا يبدو الحرس الثوري في موقع المهزوم. خطابه الأخير اتسم بثقة عالية، واعتبر ما جرى نجاحاً استراتيجياً أجبر واشنطن على البحث عن مخرج سياسي بعد فشل الخيار العسكري.لذلك تبدو المفاوضات الحالية معركة أخرى بأدوات مختلفة. كل طرف يجلس إلى الطاولة مقتنعاً بأنه صمد وانتصر، ويريد أن يكرّس روايته للحرب في نص الاتفاق.المشكلة أن التاريخ لا يقدم أمثلة كثيرة على ملفات بهذا الحجم والتعقيد حُلّت خلال ستين يوماً فقط، خصوصاً بعد حرب بهذا المستوى من الاستنزاف.

أمام المنطقة ثلاثة سيناريوهات:

إما اتفاق واسع يطوي صفحة المواجهة، وهو الأضعف.
أو اتفاق هش مليء بالثغرات يسمح للطرفين بإعلان النصر وتأجيل الانفجار، وهو الأقرب.
أو انهيار المفاوضات وعودة التصعيد بصورة أخطر مما سبق.وهكذا يقف الشرق الأوسط على حافة زمن جديد. ستون يوماً تفصل بين تثبيت هدنة هشة والعودة إلى دوامة النار.
العداد بدأ، والساعات لا تتحرك نحو نهاية الأزمة، بل نحو لحظة ستحدد شكل التوازنات القادمة في المنطقة والعالم.في هذه الأرض التي يُكتب تاريخها فوق الدخان، لا شيء محسوم بعد. وما يُقال على الطاولات قد تغيّره شرارة واحدة في الميدان.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى