لماذا يصبح النضج مؤرق ؟ – بقلم اسراء عبد التواب

اسراء عبد التواب
اسراء عبد التواب

هل تملكك يوما احساس أنك كنت نائما لسنوات طويلة وفجأة استيقظت من غفوتك فوجدت الخراب حولك؟

مشاعر يمر بها عددا كبيرا من الأشخاص اللذين تأخر نضجهم في الحياة سنوات طويلة، مقارنة بمن حولهم.
يستيقظون فجأة وهم يشعرون أنهم محطمون بالكامل، في تلك اللحظات تنهض اليقظة من غفوتها الطويلة، عقلهم في تلك الحالة يشبة أطنان من ألواح الخشب وضعت للتو في فرن ساخن ساعات طويلة لا يتخللها راحة من الإحتراق.
لا يشعرون بشيء إلا باحتراق أدمغتهم، يصبح كل الألم مستقرا في الرأس فلا هم ميتون ولا هم أحياء.
يمر شريط الذكريات المر دون أن يغمره الحلو، تجد فجأة ذاتك تنتبه لكل كلمة مرت على أذنك مرور الكرام، فإذا بك تصنع لها تاريخا مغايرا. تاريخ من الأذي النفسي الذي مرره الآخرون لك وهم يتعمدون إيذاءك، دون أن تدرك حينها ذلك لغرقك في غفوتك.
كل التفاصيل التي تعيدها الذكريات تقف معلقة على مقصلة التنمر، التنمر من شكلك ومن موهبتك ومن كيانك النفسي، وكذلك من أحبائك.
في سنوات النوم الطويلة لا ندرك كم الأذى الذي لحق بنا في حياة يسكنها بشر غير أسوياء، كل التفاصيل كانت تمر من بوابة الجهل، فقط تحولت الى وقود للنار المشتعلة في رأسك عندما أصبحت ناضجا، ولأن النضج مقترن بالاحتراق، فعليك أن تصلب في الحياة مرارا، وتنبت في رأسك الأشواك، حتى تستيقظ من غفوتك وتعانق الحكمة.

كل من شاهد من استيقظوا مؤخرا، يعتقدون أن رحلتهم ممتلئة بالبهجة، يصارعون دائما في تمني تلك الحياة التي عاشها الآخرون، كي يكتبوا مثلهم ويتحققوا في الإبداع، ولكن من قال أن الإبداع يهدي كقربان لمن لم يحترق؟!
ببساطة لو وضعوا أنفسهم في تلك اللحظات النفسية الصعبة التي مر بها أصحابها، وتجاوزوها لما إختاروا حياتهم ثانية واحدة، لأن رءوسهم ستشيب مثل أصحاب الكهف.

النضج مؤرق ولا يمكن بأي حال أن نتصور غير ذلك، أو نتخيل تلك العتبات النفسية التي غرق فيها أصحابها ليكتبوا تجربتهم، هي عتبات لايمكن وصفها إلا بظلمات بعضها فوق بعض، فالطريق إلي النور يمر دائما من الألم.

اللذين استيقظوا من سباتهم العميق في الحياة تتحول أدمغتهم في الصباح والمساء وكل ليلة الى وجبات شهية لأسراب النمل الجائع الذي لا يلتهم إلا الخلايا الدموية في المخ، فيترك الرأس في غيبوبة دائمة يفيق منها، ثم سرعان ما يدخل الى متاهة فقد الذكريات من جديد، تتحول الذاكرة الي لعبة استغماية مرهقة للبحث عن منبع متاهتك لوأدها.

يصبح الصداع النصفي بطلا للطنين الذي لا يهدأ في الرأس، كيف تركنا أرواحنا وأنفسنا يأكلها النمل الجائع من البشر؟ ونحن نسلمهم الحطب بنفس راضية لإشعال رؤوسنا دون أن نقف لهم.
يقع المستيقظ من غفوته دائما فريسة لجلد الذات، وظني أنها أعلى عتبات الألم التي يمكن أن يسلكها المستيقظ للتو.

ينام الخلق في هدوء، والمستيقظون من غفوتهم يرافقهم الأرق، كصديق دائم يلاحق كل خطواتهم، ولا يسكن سويعات قليلة من أجل الراحة.7hob.com1367706023571

يعجز أصحاب تلك الحالة عن تفسير ما يمرون به، يفسره البعض أنه مس شيطاني لقرين من الجن خطفته الجاذبية لإنسي فقرر سرقة مخه الآخير عند تأمله لوجهه ورأسه في المرآة مختالا بذكائه.
على الجانب الآخر تجد فئة واقعية تؤكد هيمنة مرض نفسي نادر على أجسادهم، وأدمغتهم فيحول الآخيرة الى بيتا لطنين الدبابير.
في ذات السياق يرفض البعض كل التفسيرات السابقة، ويقنعون أنفسهم أن ما يمرون به هو مجرد حسد أو سحر أصاب الرأس فأتلف نومه، وأن لفك تعاويذ السحر عليهم اللجوء إلى العارفين بالله، لأنهم الأجدر على التعامل مع تلك الحالة الغريبة التي هيمنت على المخ فتركته في حالة يقظة دائمة، لا ينام، ولا يهدأ من التفكير في كل التفاصيل والمواقف، التي صار يدركها ببعد وتفسير مختلف عما كان يراه.

لكن التعامل مع سرعة إيجاد تفسيرات للحالة التي يمر أصحابها المستيقظون للتو، يفسد حقا عتبات البهجة القادمة.
الروح التي تحترق والرأس التي لا تنام لأيام طويلة والندوب التي تسري في الجسد بأكمله لتعض الروح وتسلمه قربانا للأرق، لا يشفيها فك سحر أو حسد، أو هروله للعارفين بالله لإخراج القرين المؤذي، ولا يمكن بأي حال إعتباره مرضا نفسيا نادرا.
كل ما عليك فعله في تلك الحالة هو ترك ذاتك وعقلك يصول ويجول ويسافر إلى كل مدارك الظلام، وأنت تتألم وتراقبه فقط في تأمل، حتى يعود هادئا يوما ليمنحك فلسفة وحكمة الإحتراق.

سيصالحك الإحتراق بعد إنطفاء شعلته على ذاتك حتى لا تكون مستاءا منها، فكل أخطائك القديمة لن تصبح أخطاء، بل خطوات للوصول لمحطة الوعي.
سيتحول قلبك وعقلك إلى نبراسا ينير الدرب لك في سنواتك اللاحقة، لتصحح ما مضى.
يطبطب الوعي على كتفك وهو يهمس لك في محبة:”نمت لتستيقظ، كفرت لتؤمن، تألمت لتستريح، دخلت المتاهة لتجد النور”

اسراء عبد التواب

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى