الحروب الإعلامية داخلياً وخارجياً – بقلم – أحمد سلهوب

 
الإعلام كلمة تحمل في طياتها الكثير، فهي ليست ذات تفسير مبسط، حيث تحمل في جعبتها العديد من المصطلحات منها مصطلح “القوة الناعمة”، ذات الأذرع الطويلة التي تحتاجها الدول لتصدير سياستها بغية تحقيق مآرب أخرى.

 أحمد سلهوب
أحمد سلهوب
ومنذ زمن قديم فطن الأوروبيون لأهمية الإعلام، خاصة مع بداية الحرب الكونية الثانية التي اندلعت عام 1939، حيث كانت الحروب قديما مقتصرة على الجيوش النظامية دون المشاركة الشعبية، فلجأت الأنظمة للإذاعات الأكثر انتشاراً في تلك الحقبة لشحذ همم الشعوب، وإعلان حالة التعبئة العامة في صفوفهم مستعينة بالموسيقى والأغاني والخطب التي كانت تنطلي على مسامعهم دون إدراك.
ونجح في ذلك أدولف هتلر الزعيم النازي المنحدر من العرق الآري، حيث استعان بالداهية آنذاك وزير دعايته السياسية “باول يوزف جوبلز” صاحب المقولة الأشهر في عالم الإعلام “أعطني إعلاماً بلا ضمير أعطيك شعباً بلا وعي”، والخلاصة كانت تلك الإرهاصات الأولى لتوظيف الإعلام بشكل خاطئ لخدمة الأنظمة الحاكمة.
ومع مضي الوقت حدثت طفرة هائلة في عالم الاتصال والتكنولوجيا، تعددت معها الوسائل الإعلامية فمنها المرئي والمسموع والمقروء، وتزامن ذلك مع اندلاع العديد من الأزمات الدولية كالحرب الباردة بين المعسكر الشرقي بقيادة روسيا والغربي بقيادة أمريكا، وهنا بزغ نجم وسائل الإعلام برمتها حيث طوع الفريقان الإعلام لخدمة أجندته، فمن مهام الإعلام الحرب النفسية ونشر الشائعات والفوضى وتصدير ثقافة الخوف وبث الدعاية السوداء والرمادية والبيضاء.
وعلى النقيض تماما، تجد بعض الدول تستخدم الإعلام في التنوير ومحاربة الفقر والجريمة وإيصال الصورة الحقيقية للعالم الخارجي، وتحديداً إذا كان هناك صراع مستعر بين دولتين بينهما خلافات سياسية أو عسكرية، كما تبرز أهميته في قضايا ملحة كالوحدة الوطنية بين أبناء الوطن الواحد المختلفين عقائديا.
ومصر نموذج حي للنقطة الأخيرة، ففي أعقاب استهداف كنائس من قبل متطرفين، سرعان ما تتناول وسائل الإعلام خاصة الدولية الخبر من جزئية واحدة وتسلط عليها الضوء، وهي قضية اضطهاد الأقباط، وتركز على السلبيات متجاهلة الإيجابيات.
وبالعودة إلى سيرتنا الأولى، نقول إن المتحكم في وضع استراتيجية الإعلام على مستوى العالم، هي وسائل الإعلام الدولية مثل وكالات الأنباء التي تسير في فلك الحكومات التابعة كفرنسا وإنجلترا وروسيا وأمريكا، فالمتابع لها يجد أن الملفات المتناولة عن دول العالم الثالث منصبة على أخبار الحروب والكوارث وتضخم بعضها، تاركة بشكل متعمد أي منجز يتحقق على أراضي تلك الدول، لترسيخ صورة ذهنية سلبية لشعوب العالم المتقدم عن العالم المتأخر، ومع ظهور وسائل التواصل وتعدد المنصات تحقق العدل ولو بشكل يسير في إنصاف تلك الدول.
وهنا يبرز دور الإعلام في إيصال الصورة الصحيحة للخارج بلغات شتى، وهنا أيضا لا نريد إغفال دور الدكتور الراحل محمد عبد القادر حاتم وزير الإعلام إبان حرب أكتوبر وقبلها في مجابهة الآلة الإعلامية الإسرائيلية، وكيف خدعت مصر تل أبيب قبيل الحرب عبر إرسال عدد من ضباطها للحج، وتسريح عدد آخر وبلعت الدولة العبرية الطعم الذي أرّق مضاجع موشيه ديان وزير الدفاع الإسرائيلي في ذلك الوقت، وجعل جولدا مائير رئيسة الوزراء تفقد توازنها الفكري.
ونحن لسنا في معرض الدفاع عن دول العالم الثالث المهترئة والتي تعاني من ترهل مزمن، ولكن هنا نوضح كيف يعمل الإعلام وكيف يكون فتاكا وبنّاءً ومرآة عاكسة لمشاكل المجتمع وتحجيمها وعدم تركها لتكون تربة خصبة لنموها.
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى