فورين بوليسي: أوباما يترك الأزمة السورية لروسيا وإيران
وأشار المحلل السياسي روثكوبف إلى توافق وجهات النظر الروسية والإيرانية تجاه سوريا، وأن التدخل العسكري لروسيا مؤخراً يأتي من أجل شن حملة “أكثر فعالية” ضد تنظيم داعش الإرهابي، موضحاً أن بوتين يرى في انهيار سوريا قضية محلية سينتج عنها انتشار التطرف في أحشاء روسيا، ومن ثم لا يمثل هذا دافعاً قوياً، لأن تقوم الولايات المتحدة بجهود حقيقية لدحر تنظيم داعش الإرهابي.
خطة أوباما الكبرى
وانتقد الكاتب بشدة الولايات المتحدة التي تبدو غير مستعدة للتصعيد الروسي، على الرغم من أن كل رؤساء البيت الأبيض يدركون منذ زمن أن هذه الخطوة ستحدث لا محالة.
وفي الوقت نفسه، وجه كاتب المقال انتقادات لاذعة للرئيس الأمريكي باراك أوباما، الذي لم تقدم كلمته الأخيرة في الأمم المتحدة أي إجابات حول الخيارات المطروحة لحل الأزمة السورية، لاسيما أن الجهود المبذولة لدحر تنظيم داعش حتى الآن لم تحقق النتائج المرجوة، ولايزال تنظيم داعش يكتسب قوة فعلية بوسائل مهمة.
وبحسب الكاتب ربما يكون ذلك كله جزء من خطة كبرى لرئيس الولايات المتحدة، الذي يرغب في الخروج من المنطقة، ويرفض إرسال قوات أمريكية على الأرض، ويريد أن يتولى حل هذا الصراع شخص آخر أو جماعة أخرى من داخل المنطقة، وحصل أوباما بالفعل على ما يريده، الأمر الذي يترجمه إلى واقع التدخل الروسي والإيراني في سوريا.
تداعيات الخطة
ويتابع الكاتب: “إن خطة أوباما باتت واضحة تماماً الآن، سنترك سوريا والعراق إلى الروس والإيرانيين، إذ مزقت الحرب البلدين وتحول وضعهما إلى الفوضى، لاسيما أنه لا تتوافر إرادة سياسية لدى الولايات المتحدة للمزيد من التدخل”.
ويطرح الكاتب العديد من التساؤلات حول الأخطاء التي يمكن أن تحدث نتيجة تلك الخطة وماهية التداعيات الطويلة المدى للسماح للروس والإيرانيين بالاستمرار في استراتيجياتهم الواضحة والناجحة لتوسيع نطاق نفوذهم في المناطق المجاورة لهم، من خلال تأجيج الصراعات داخلها، الذي يعقبه التدخل المباشر لكسب المزيد من النفوذ على حساب الخراب والدمار في تلك المناطق، ناهيك عن إضعاف خصومهم في الوقت نفسه.
ويرى الكاتب أن مثل هذا النهج هو الذي منح روسيا أجزاءً من جورجيا وأوكرانيا، وجعلها أيضاً تستعرض عضلاتها في بيلاروسيا والبلقان، كما أنه النهج ذاته الذي اتبعته إيران لتوسيع نفوذها من لبنان إلى اليمن، وكذلك بالطبع في سوريا والعراق.
استعادة العظمة الروسية
ويلفت الكاتب أن خطة أوباما تتجاهل أن روسيا وضعت نفسها بقوة كمنافس للولايات المتحدة في العالم، وأن بوتين – الذي يعاني من كارثة اقتصادية وديموغرافية على المستوى المحلي، لم يتبقى له سوى كارت أخير للحفاظ على معدلات تأييده داخل بلاده التي تتجاوز 80%، ويتمثل في “استعادة العظمة الروسية” من خلال العدوان في الخارج، وتكثيف الإنفاق العسكري تحديث قوته النووية.
ويضيف الكاتب: “يتجاهل أوباما أيضاً تآكل التوازن الحرج الذي يحدث حالياً بين الكتلتين السنية والشيعية في منطقة الشرق الأوسط، إذ تشهد الكتلة السنية تراجعاً شديداً وانتكاسات متتالية ذاتية في كثير من الأحيان، وبالقطع تتحقق مكاسب إيرانية جراء تلك الخسائر، ولا يلتفت أوباما إلى حقيقة أن هذين اللاعبين السنة والشيعة، هما الأكثر خطورة في العالم”.
الربيع العربي
ويعتقد الكاتب أن الولايات المتحدة تخلت عن مبدأ الحرب العالمية الثانية “الانتصار مهما كان الثمن”، وساد طوال فترة حكم الرئيس أوباما مبدأ آخر يتمثل في “الخروج مهما كان الثمن”.
ويقول الكاتب: “على الرغم من انتقادات من يصفون أنفسهم بأنهم واقعيون، لإتقان الرئيس أوباما المنقطع النظير في التركيز على الجوانب السلبية لأي إجراء محتمل أن تتخذه الولايات المتحدة، فإن المدافعين عن أوباما يلجئون دائماً إلى التبرير المشروع أن غزو العراق كان له دوراً كبيراً فيما نشهده اليوم، ولكنهم يتجاهلون حقيقة بالغة الأهمية، تتمثل في أن ما فات حدث بالفعل، ومن ثم علينا أن نواجه ما نحن فيه الآن، علينا الاعتراف أن غزو العراق كان بالفعل كارثة حقيقية، وأن الربيع العربي كان إلى حد كبير جرحاً ذاتياً لبعض أنظمة الحكم، وعلينا أن نعترف في الوقت نفسه أننا نواجه خيارات سيئة في سوريا”.
ويشير الكاتب إلى أنه عندما يغادر رئيس أمريكي تاركاً وراءه وضعاً رديئاً وخيارات سيئة، فإنه لايزال هناك ضرورة إلى توضيح كيفية المضي قدماً في الحفاظ على مصالح الولايات المتحدة، ويقصد الكاتب بذلك شبح المقاتلين الأجانب وتيارات تدفق اللاجئين إلى أوروبا والعواقب الاستراتيجية للسيطرة الطويلة المدى على الشرق الأوسط.
أفغانستان والعراق
ويتساءل الكاتب: “ماذا عسانا أن نفعل في مواجهة ما حصدناه من التذرع بحجج مثل الأمور صعبة جداً، ولا أريد المشاركة، إذ قام خصومنا باستغلال الفرصة انتهاز المبادرة ونجحوا في خلق مكان دائم لأنفسهم بإعادة توزيع القوة والنفوذ في منطقة استراتيجية مهمة في العالم؟”.
ويتابع الكاتب: “وقريباً سيتضمن ذلك أيضاً أفغانستان حيث تعثرت الخطة الأمريكية في تحقيق أهدافها، والواقع أن إيران تسعى بالفعل لتحقيق نفوذ أكبر في أفغانستان، حيث يلوح الاقتتال السياسي في كابول وصعود تنظيم داعش، إلى تزايد عدم الاستقرار في تلك الأرض الممزقة”.
ويوضح كاتب المقال أن وسائل انتصار الفريق الروسي الإيراني على المتطرفين لن تكون سهلة، ويرى أن القضاء على مثل هذه التنظيمات الإرهابية ليس هدف موسكو وطهران الأساسي في الوقت الراهن، إذ يسعى الطرفان إلى خلق موطئ قدم يضمن لهما نفوذاً حاسماً في أي تسوية سياسية تتعلق بسوريا، وسيكون متاحاً لهما إما الحفاظ على بقاء بشار الأسد في مكانه، أو بدلاً من ذلك ضمان قيادته لفترة انتقالية، ثم تتاح لهم القدرة على تحديد خليفته أو الاعتراض عليه، وهو ما يعني مواصلة نفوذهما في دمشق، بما يتفق مع متطلبات الاستراتيجية الإقليمية لكل منهما.
وبحسب كاتب المقال سيكون كل من الولايات المتحدة وأوروبا والسنة سعداء تماماً بذلك، في مقابل دحر داعش ووقف تدفق اللاجئين، ومن المحتمل أن تنجح المناورة الروسية الإيرانية، ويحصد العالم ما يريد بما في ذلك أوباما الذي ربما يعلن في ذلك انتصاراً.
تساؤلات مهمة
ويؤكد الكاتب على أنه ينبغي على واشنطن قبل أن تتخلى عن القيادة للآخرين، أن تجيب عن العديد من التساؤلات المهمة ومنها، هل سيتم العمل بالطريقة نفسها في العراق؟، وهل سيكون هدفهم هذه المرة استعادة سيطرة بغداد على الدولة بأكملها أم ضمان سيطرتها على جزء فقط من البلاد؟، وماذا سيحدث إذا استمر نشاط داعش بصورة قوية وتم الدفع بالتنظيم في اتجاه الحدود الأردنية؟، ماذا سيعني الأمر إذا كانت المحصلة النهائية هي استمرار تقليل مصالح السنة في العراق وزيادة التهديد الإيراني في المنطقة؟”.
ويختتم الكاتب بالإشارة إلى أن خصوم الولايات المتحدة مثل المرشد الأعلى الإيراني على خامنئي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزعيم تنظيم داعش الإرهابي أبو بكر البغدادي، هم الفائزين الذين استفادوا من غياب الرؤية والعزيمة والوحدة بين قادة الغرب، في تعزيز مكانتهم والدول أو أشباه الدول التي يمثلونها.