بلومبرغ: صفقة إيران تُشكّل مسار الحرب في العراق
قال الكاتب نوا فيلدمان في وكالة بلومبرغ الأمريكية، ، في مقال له، إن “رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، يعتزم اتخاذ خطوات متشددة ليخلص نفسه من سلفه المشاكس، نوري المالكي”.
وفي أعقاب تعديلات جذرية حكومية، جاءت الخطوة الأخيرة على هيئة تقرير برلماني يلوم المالكي، وعدد كبير من قادته السياسيين والعسكريين على سقوط الموصل، في أيدي تنظيم داعش الصيف الماضي.
ومن المقرر أن يُحال التقرير إلى النائب العام، مما يعني بحسب الكاتب، أن العبادي ربما يكون بصدد التخطيط لملاحقة سلفه جنائياً. ومن ناحيته يقاتل المالكي دفاعاً عن نفسه، إذ أصدر بياناً عاماً يدين فيه هذا التقرير.
وبالنظر إلى أن المالكي كان يحظى بدعم داخلي أكثر من العبادي، إذ أجبرته الولايات المتحدة، بإذعان إيراني على مضض، على ترك منصبه، فليس من عجب أن يسعى العبادي إلى تعزيز سلطته بالقضاء على المالكي بالمرة، بحسب ما أفاد نوا فيلدمان.
وبخلاف الاهتمام بالتحايلات البيزنطية للسياسات العراقية، ما الذي يجعل بقية دول العالم تهتم لأمر الخطوة التي اتخذها العبادي أو الإطاحة بالمالكي؟، يتساءل الكاتب.
آثار الصفقة
وتكمن الإجابة، بحسب التحليل، في آثار الصفقة الأمريكية- الإيرانية المطروحة الآن أمام الكونغرس الأمريكي، بيد أن الأطراف الإقليمية تتعاطى معها وكأنها أمر واقع. ووفقاً للكاتب، تعكس الخطوة التي اتخذها العبادي ضد المالكي إعادة تساوق السياسات الإقليمية في ضوء الصفقة الإيرانية. فبينما كان سُنَّة العراق والولايات المتحدة ينظرون في فترة من الفترات إلى المالكي باعتباره موالياً لإيران، يتبنى اليوم عبادي نهجاً جديداً يراهن من خلاله على أن المصالح الأمريكية والإيرانية ستتسق وتتلاقى بقوة، ويزعم أن العراق الموحد المتعدد الطوائف لم يعد هدفاً حصيناً. ويبدو أن الإيرانيين، بعد أن تركوا المالكي يواجه قدره وحده، انضموا إلى العبادي.
ولرؤية ما يحدث وراء الكواليس، يؤكد الكاتب أن علينا أن ندرس التحدي الذي واجهه المالكي وأخفق في التغلب عليه، إذ تعاطى مع تنظيم داعش، معتبراً سقوط مدينة الموصل واقعة رمزية. فقد تداعى الجيش العراقي، المكون من قوة شيعية-سُنيَّة مختلطة، بشكل كارثي، بحسب تأكيدات التقرير البرلماني.
أسباب الفشل
وكان السبب وراء هذا الفشل يتجاوز الجانب الفني، بحسب الكاتب، موضحاً بأن الشيعة في الجيش ربما كانوا يدينون بالولاء للمالكي، لكنهم لم يستسيغوا فكرة الموت دفاعاً عن مدينة أغلب سكانها من السُنَّة. أما سُنَّة الجيش فنراهم قد خاب ظنهم بسبب فكرة أن المالكي كان يدير العراق نيابةً عن إيران، فأصبحوا غير مستعدين للصمود ومواجهة المقاتلين السُنَّة المنتسبين إلى تنظيم داعش. وفي النهاية، كان الفشل في الدفاع عن الموصل فشلاً لقيادة المالكي، وإخفاقاً لخطته الساعية إلى الإبقاء على وحدة العراق تحت قيادة شيعية.
وأكد الكاتب أن العبادي لم يبلِ بلاءً أحسن من المالكي، فيما يختص بمقاومة الجهاديين. ففي مايو(أيار) وتحت قيادة رئاسة وزراء العبادي، سقطت مدينة الرمادي، كما سقطت الموصل قبل عام بسهولة وبشكل فاضح. لكن من الواضح أن العبادي بصدد دراسة طريقة مختلفة للتعاطي مع المشكلة عن الطريقة التي تبناها المالكي. ويبدو أن استراتيجيته لها شقيْن، بحسب الكاتب، يستندان إلى التعاون المتزايد ما بين الولايات المتحدة وإيران.
وتبنى العبادي بدايةًنهج نشر المليشيات الشيعية المُدَرَّبَة على يد إيران والمدعومة بضربات جوية أمريكية ضد داعش. وكان التوفيق ما بين الأمريكان والإيرانيين عملية بطيئة، نظراً لمشاعر انعدام الثقة بين الطرفيْن. لكن من الواضح أن العبادي يعتقد، وفي اعتقاده شيء من المنطق، برأي الكاتب، أن الصفقة النووية الأمريكية-الإيرانية تزيد من احتمالات التعاون بكثير.
وأشار الكاتب أنه في يونيو(حزيران) سافر العبادي إلى إيران لحث المرشد الأعلى علي خامنئي على مواصلة دعم القتال ضد تنظيم داعش، كما حضر اجتماعات مجموعة السبعة في النمسا لممارسة ضغوط على الرئيس الأمريكي باراك أوباما من أجل المزيد من الدعم. وحث الولايات المتحدة على تدريب المزيد من الوحدات العسكرية بالجيش، ورحب بنشر استشاريين أمريكيين قد يقوموا حتى بالتنسيق مع القوات ذات القيادة الإيرانية.
ومن قبيل التفاؤل الظن بأن الجهود الأمريكية والإيرانية المشتركة ستدحر حقاً تنظيم داعش في العراق. ولا يمكن إنجاز ذلك دون قوات برية عربية سُنيَّة، وليس لدى العبادي أية طريقة واضحة لتشكيل مثل هذه القوة، بحسب الكاتب.
العبادي يخطط
لكن العبادي، على عكس المالكي، يقول الكاتب، يخطط لتفادي أي لوم حال فشل القتال ضد الجهاديين؛،لأنه يسعى جاهداً إلى أن يثبت للطرفين الأمريكي والإيراني أنه يحاول حملهم جميعاً على مساعدته في هذه الحرب. وبتعبير آخر، فإن العبادي الذي يتحوط من الإخفاق المستمر في دحر تنظيم داعش يعوّل على التوافق الشديد ما بين المصالح الأمريكية- الإيرانية.
وأوضح الكاتب أن العبادي يتمتع بعنصر كان المالكي يفتقر إليه، ألا وهو استراتيجية احتياطية لما يمكن القيام به حال صمود تنظيم داعش على المدى المتوسط في العراق، منوهاً إلى إن العبادي يلمح لشيعة العراق، وكذلك لإيران والولايات المتحدة، بأنه يستطيع أن يحكم بقايا دولة العراق، تلك الدولة التي تستثني فعلياً المناطق السُنيَّة الواقعة تحت سيطرة الجهاديين، وتُقرّ بالاستقلال الفعلي لكردستان العراق.
سياسيون يخسرون مناصبهم.
وهكذا تبين من الجهود الإصلاحية للعبادي على مدار الأسابيع القليلة الماضية التي خسر خلالها سياسيون سُنَّة كبار مناصبهم. إذ أبطل العمل بمنصب نائب الرئيس الذي كان هناك ثلاثة أشخاص يحتلونه بمن فيهم المالكي نفسه. وجاء التقرير البرلماني الذي أنحى بالائمة على سقوط الموصل على ذكر سياسييْن سُنيِّيْن بارزيْن، وهما وكيل وزير الدفاع بحكومة المالك، سعدون الدليمي، والمحافظ الأسبق لمدينة نينوى، أثيل النجيفي، وشقيق أسامة النجيفي واحد من نواب الرئيس المعزولين.
والرسالة الضمنية مفادها أن العبادي أطاح استراتيجية المالكي التي تبناها الأخير تحت ضغوط أمريكية شديدة، والتي تقضي بدمج قادة سُنَّة في الحكومة العراقية المركزية. قد يثير هذا التغيير حفيظة الولايات المتحدة، بما أنه من الصعب أن يدرك المرء كيف يمكن استرضاء السُنَّة وإلزامهم بالحفاظ على تماسك الأمة، لكن الأمر يتسق مع المنطق إذا أقررنا بأن العراق حالياً منقسم بالفعل، بسبب وجود تنظيم داعش في المناطق المأهولة غالباً بالسُنَّة في العراق.
وفي الماضي، كان رئيس الوزراء العراقي ينتابه ربما القلق بشأن شعور الولايات المتحدة حيال بقايا دولة العراق الواقعة تحت هيمنة الشيعة التي ستكون أشبه بملحق لإيران. ولا بد أن العبادي يخمن أن الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن أبرمت صفقتها مع إيران، يمكنها التعايش مع هذه المحصلة على اعتبار أنها أقل المحصلات سوءً، لأنها ستشعر بتهديد أقل من جانب إيران بعد الصفقة النووية.
وختم الكاتب بأن الولايات المتحدة تود لو تهزم تنظيم داعش، ويفترض الكاتب أن هذا هو نفسه مراد إيران أيضاً. لكن التحول الكبير سيتمثل في أن الولايات المتحدة قد لا تلتزم بعد بإقامة عراق موحّد متعدد الطوائف كمنطقة عازلة ضد إيران. وهذه هي محصلة التحول الإقليمي الذي نتج عن الصفقة النووية بين الولايات المتحدة وإيران، بحسب الكاتب.