على خليل : انتخابات 2026 الأمريكية.. صعود المسلمين والعرب يعيد رسم الخريطة السياسية.

آدم حماوي :
من غزة إلى الكونجرس ونيويورك تشهد اختراقًا تاريخيًا
حدثًا لافتًا في الحضور المصري والعربي داخل المؤسسات السياسية الأمريكية

الدرس الأهم أن إسرائيل قد تجد نفسها أمام واقع أمريكي جديد
كتب – على خليل :
لم تكن انتخابات التجديد النصفي الأمريكية لعام 2026 مجرد اختبار لشعبية الرئيس دونالد ترامب أو مواجهة تقليدية بين الجمهوريين والديمقراطيين، بل كشفت عن تحولات سياسية واجتماعية قد تمتد آثارها إلى مستقبل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، وتعيد تشكيل مواقف المؤسسة التشريعية في واشنطن تجاه قضايا الشرق الأوسط.

الانتخابات مؤشرً على اتساع قاعدة التمثيل السياسي لأصوات كانت مهمشة أو محدودة التأثير

ففي الوقت الذي يواجه فيه ترامب تراجعًا حادًا في شعبيته، وفق استطلاعات الرأي الواردة عشية الانتخابات، تتقدم وجوه ديمقراطية جديدة تحمل توجهات أكثر انتقادًا لسياساته، خصوصًا في ملفات الاقتصاد والهجرة والحرب على إيران، فضلًا عن تزايد الاعتراض على الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل.
لم يذهب الأمريكيون للتصويت على مقاعد الكونجرس فقط، بل ذهبوا للتصويت على مستقبل دونالد ترامب نفسه، ومستقبل علاقة أمريكا بإسرائيل، ومستقبل المسلمين داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية.
دخل ترامب هذه الانتخابات وهو في أضعف حالاته على الإطلاق. فاستطلاع رويترز / إبسوس الصادر عشية الانتخابات وضعه عند 32% فقط، وهو رقم قياسي في الانخفاض، بينما وضعه استطلاع فوكس نيوز عند 36%، وهو أدنى رقم له في تاريخ استطلاعات فوكس. وحتى استطلاعات الخروج من اللجان وضعته عند 38%، وهو أدنى رقم لرئيس في انتخابات نصفية.
في المقابل، حقق معارضو سياسته، وخاصة الجناح التقدمي والديمقراطي الشاب، موجة زرقاء لم تكن مجرد استعادة لمجلس النواب والشيوخ، بل كانت ثورة تمثيلية. ففي يوم واحد، فاز 36 مرشحاً مسلماً على مستوى الولايات المتحدة، ودخل 7 منهم الكونجرس الفيدرالي.
آدم حماوي.. من مستشفيات غزة إلى الكونجرس الأمريكي
ومن أبرز المفاجآت التي شهدتها الانتخابات صعود الطبيب المصري الأمريكي آدم حماوي (Adam Hamawy)، جراح التجميل والطبيب العسكري الأمريكي السابق، الذي تطوع للعمل في مستشفيات قطاع غزة خلال الحرب، قبل أن يخوض تجربته السياسية وينجح في الفوز بمقعد عن الدائرة الثانية عشرة بولاية نيوجيرسي، وفق النتائج الأولية المعلنة.
ويمثل فوزه حدثًا لافتًا في الحضور المصري والعربي داخل المؤسسات السياسية الأمريكية، باعتباره من أبرز الوجوه المصرية الأمريكية التي وصلت إلى الكونجرس، فضلًا عن خلفيته المهنية والإنسانية المرتبطة بالعمل الطبي في مناطق الصراع.
إن وصول طبيب عايش المأساة الإنسانية في غزة إلى المؤسسة التشريعية الأمريكية يحمل دلالة سياسية تتجاوز شخصه؛ فهو يعكس اتساع مساحة الأصوات الأمريكية التي تطالب بإعادة النظر في السياسات المتعلقة بالحرب الفلسطينية والدعم العسكري لإسرائيل.
نيويورك.. حضور مسلم جديد في المؤسسات التشريعية
ولم تكن نيوجيرسي وحدها مسرحًا لهذا التحول؛ فقد شهدت ولاية نيويورك أيضًا صعود عدد من الشخصيات المسلمة والعربية إلى مواقع سياسية وتشريعية.
ومن الأسماء التي برزت دارياليزا أفيلا شيفالييه، التي حققت فوزًا لافتًا في الدائرة الثالثة عشرة، إلى جانب عبير قواس، الفلسطينية الأصل، التي سجلت حضورًا سياسيًا مهمًا بفوزها بمقعد في مجلس شيوخ ولاية نيويورك، وفق المعلومات الأولية الواردة عن نتائج الانتخابات.
وتأتي هذه التطورات امتدادًا لحضور شخصيات مثل رشيدة طليب وإلهان عمر، اللتين أصبحتا من أبرز الأصوات المنتقدة لسياسات إسرائيل داخل الكونجرس الأمريكي.
ترامب يخسر الوسط.. والديمقراطيون يربحون جيلًا جديدًا
في المقابل، كشفت استطلاعات الرأي عن تراجع شعبية ترامب إلى مستويات شديدة الانخفاض، مع تصاعد الغضب من ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم وتداعيات الحرب على إيران وسياسات الهجرة.
ورغم استمرار احتفاظه بتأييد واسع داخل قاعدته الجمهورية، فإن المشكلة الأساسية تكمن في تراجع قدرته على استقطاب المستقلين والناخبين الوسطيين، وهي الفئات التي كثيرًا ما تحسم نتائج الانتخابات الأمريكية.
لكن التطور الأهم ليس مجرد تقدم الديمقراطيين، وإنما طبيعة الوجوه الجديدة التي تدخل المشهد السياسي؛ جيل أكثر جرأة في انتقاد السياسات الأمريكية التقليدية تجاه الشرق الأوسط، وأكثر استعدادًا لمناقشة المساعدات العسكرية لإسرائيل وحقوق الفلسطينيين.
إسرائيل أمام اختبار أمريكي مختلف
هنا تحديدًا تكمن أهمية هذه الانتخابات بالنسبة لإسرائيل. فالمخاوف الإسرائيلية لا تتعلق فقط باحتمال تغير الأغلبية داخل الكونجرس، وإنما بتغير تدريجي في طبيعة الناخب الأمريكي نفسه، خصوصًا بين الشباب والتيارات التقدمية، وحتى داخل قطاعات من الحزب الجمهوري.
وتزداد أهمية هذا التحول مع اقتراب عام 2028، موعد انتهاء إطار اتفاق المساعدات العسكرية الأمريكية الحالي لإسرائيل، الذي تبلغ قيمته 38 مليار دولار على مدى عشر سنوات، أي 3.8 مليار دولار سنويًا.
إن وصول شخصيات عربية ومسلمة جديدة إلى الكونجرس ومجالس الولايات لا يعني بالضرورة تشكل كتلة موحدة أو تغير السياسة الأمريكية بين ليلة وضحاها، لكنه يمثل مؤشرًا على اتساع قاعدة التمثيل السياسي لأصوات كانت مهمشة أو محدودة التأثير في السابق.
والدرس الأهم أن إسرائيل قد تجد نفسها أمام واقع أمريكي جديد، لا تكون فيه مساندتها التقليدية محل إجماع تلقائي كما كانت في عقود سابقة؛ فالأجيال الجديدة لا تنظر بالضرورة إلى الصراع من الزاوية ذاتها التي نظرت بها الأجيال السياسية القديمة.
إنها ليست مجرد انتخابات نصفية، بل اختبار لتحول أعمق في المجتمع الأمريكي، وربما بداية مرحلة جديدة تتغير فيها موازين التأثير داخل واشنطن.