
بقلم : د. ليون سيوفي – باحث وكاتب سياسي
لم تعد الاحتجاجات في شوارع فرنسا مجرّد مشاهد عابرة يمكن احتواؤها بخطاب حكومي أو وعود جديدة. فحين يخرج الناس إلى الشوارع، وتتسع المواجهات في بعض المدن، يصبح السؤال أكبر من أزمة اقتصادية: ماذا يحدث عندما يشعر المواطن بأنّ الدولة لم تعد قادرة على ضمان الحدّ الأدنى من العيش الكريم، وأنّ السلطة تطالبه بمزيد من التضحيات من دون أن تقدّم حلولاً ملموسة؟
فالجوع ليس دائماً جوع المعدة وحدها؛ قد يكون جوعاً إلى العدالة، وإلى فرصة عمل، ومسكن لائق، وراتب يكفي حتى نهاية الشهر. وعندما تتراكم هذه المطالب مع تراجع الثقة بالمؤسسات، يتحوّل الاحتقان الاجتماعي إلى أزمة سياسية تمسّ علاقة المواطن بمن يحكمه.
فرنسا ليست دولة فقيرة، لكنّ الثروة وحدها لا تضمن الاستقرار. فحتى الدول المتقدمة يمكن أن تواجه غضباً واسعاً عندما يشعر مواطنوها بأنّ السياسات الاقتصادية بعيدة عن واقعهم، وأنّ الأعباء لا تتوزّع بعدالة. وهذا ما ينبغي أن تفهمه السلطات قبل أن تتحوّل المطالب الاجتماعية إلى مواجهة مفتوحة.
ولا يعني ذلك تبرير التخريب أو الاعتداء على الممتلكات والأبرياء؛ فالاحتجاج السلمي حقّ، والعنف ليس بديلاً عن الإصلاح. لكنّ مواجهة المظاهر لا تكفي إذا بقيت الأسباب التي أنتجتها من دون معالجة.
من فرنسا إلى أوروبا… هل ينتشر الغضب؟
لا يمكن الجزم بأنّ ما يجري في فرنسا سيقود إلى موجة اضطرابات تجتاح أوروبا، لكنّ أسباب الاحتقان ليست محصورة ببلد واحد. فارتفاع تكاليف السكن والطاقة والغذاء، وتراجع القدرة الشرائية، والقلق من البطالة ومستقبل الخدمات العامة، كلّها عوامل تضغط على مجتمعات مختلفة.
حين يشعر العامل بأنّ راتبه لم يعد يكفيه، والمتقاعد بأنّ معاشه يفقد قيمته، والشاب بأنّ امتلاك منزل أصبح حلماً بعيداً، تتراجع قدرة الوعود السياسية على إقناع الناس بانتظار حلول مؤجّلة.
وفي دول أخرى من العالم، حيث تتفاقم الديون أو ترتفع معدلات الفقر أو تضعف الخدمات الأساسية، يمكن للصدمات الاقتصادية أن تكون أشدّ قسوة. لكنّ الاحتجاجات لا تتخذ شكلاً واحداً؛ فقد تقود إلى إصلاحات أو تغييرات انتخابية أو إضرابات، وقد تتصاعد إلى مواجهات عندما تتعقّد الظروف وتنسدّ قنوات الحوار.
الخطر الحقيقي ليس انتقال صور الشغب من عاصمة إلى أخرى، بل تكرار الأسباب التي تجعل المواطنين يفقدون الثقة بقدرة المؤسسات على تغيير واقعهم.
من يدفع ثمن الأزمة، ومن يتحمّل المسؤولية؟
المشكلة ليست في وجود أزمات اقتصادية فحسب، بل في كيفية توزيع كلفتها. فعندما تتحمّل الأسر محدودة الدخل العبء الأكبر من ارتفاع الأسعار والضرائب، بينما لا تجد تفسيراً واضحاً للقرارات الحكومية أو ضمانات لمحاسبة المسؤولين، يصبح الغضب مفهوماً ومشروعاً.
من حقّ المواطن أن يسأل: كيف تُدار الأموال العامة؟ هل تُوزّع الضرائب بعدالة؟ هل تخضع القرارات للمساءلة؟ وهل يتحمّل أصحاب النفوذ مسؤوليتهم عن الإخفاقات، أم يُطلب من الناس وحدهم دفع الثمن؟
لا تُبنى الثقة بالقوة الأمنية ولا بالشعارات، بل بالشفافية والنتائج. والحكومة التي تتعامل مع كلّ اعتراض باعتباره إزعاجاً سياسياً، بدلاً من اعتباره فرصة لتصحيح الأخطاء، قد تجد نفسها أمام أزمة أكبر من تلك التي حاولت احتواءها.
من يحكم يتحمّل المسؤولية، ومن يتّخذ القرار يجب أن يقبل بالمحاسبة. فالمنصب العام ليس امتيازاً يحمي صاحبه من النقد، بل أمانة تفرض عليه تقديم الحساب.
لبنان… هل ينتظر المسؤولون انفجاراً كي يتحرّكوا؟
إذا كانت فرنسا، بما تملكه من مؤسسات وإمكانات اقتصادية، تواجه ضغوطاً اجتماعية متزايدة، فإنّ الوضع اللبناني أكثر تعقيداً بسبب الانهيار المالي، وأزمة الودائع، وتراجع الخدمات العامة، وتآكل القدرة الشرائية، فضلاً عن تداعيات الصراعات الإقليمية ومخاطر الحرب.
لقد دفع اللبنانيون أثماناً باهظة من مدّخراتهم واستقرارهم ومستقبل أبنائهم. ولذلك، لم يعد مقبولاً التعامل مع مطالبهم وكأنّها ملفات ثانوية يمكن تأجيلها إلى ما بعد التسويات السياسية أو الصراعات على النفوذ.
لا يحتاج اللبناني إلى خطابات جديدة عن الصمود بقدر ما يحتاج إلى دولة تشرح إخفاقاتها، وتحدّد المسؤوليات، وتضع خطة قابلة للتنفيذ لاستعادة الحقوق وتحسين الخدمات وإصلاح الاقتصاد.
وأيّ إصلاح مالي لا يوضّح مصير الودائع وحقوق أصحابها، ولا يضع قواعد عادلة لتوزيع الخسائر، سيبقى موضع اعتراض مشروع. وأيّ موازنة تثقل كاهل المواطنين من دون تحسين ملموس في حياتهم اليومية ستواجه أسئلة محقّة.
لا يحقّ للسلطة أن تطلب من المواطن دفع ثمن الأزمة مرتين…مرّة من ماله، ومرّة من كرامته.
المطلوب ليس استنساخ الاحتجاجات الفرنسية ولا انتظار انفجار الشارع، بل معالجة أسباب الاحتقان قبل أن تتفاقم: محاسبة فعلية، وشفافية في إدارة المال العام، وحماية اجتماعية، وفرص عمل، وخدمات أساسية، وقانون يُطبَّق على الجميع من دون استثناء.
لا تراهنوا على صبر الناس إلى الأبد
على السلطات أن تدرك أنّ خوف المواطنين من الفوضى لا يعني قبولهم الدائم بالواقع القائم. فالناس يريدون الاستقرار، لكنّهم يريدون أيضاً أن يعيشوا بكرامة، وأن يروا حقوقهم مصانة، وأن يعرفوا أنّ تضحياتهم لن تتحوّل إلى التزام دائم فيما تبقى المسؤولية بلا حساب.
والخيار ليس بين سلطة لا تُحاسَب وشارع تحكمه الفوضى. هناك طريق واضح: إصلاح جدّي، ومؤسسات فعّالة، وقضاء مستقل، وتوزيع عادل للأعباء، واحترام حقّ المواطنين في الاعتراض السلمي.
إنّ ساعة الحساب السياسي لا تبدأ عند إحراق الشوارع، بل عندما يُسأل المسؤول عن قراراته، وتُكشف الحقائق، ويُحدَّد من أخفق، وتُتّخذ الإجراءات اللازمة لتصحيح المسار.
فرنسا ليست بالضرورة على أبواب انهيار، ولبنان لا يحتاج إلى انتظار مشهد مماثل كي يفهم خطورة الاحتقان. لكنّ الرسالة إلى أصحاب السلطة واضحة: لا يمكن تأجيل الإصلاح إلى ما لا نهاية، ولا بناء الثقة بمطالبة الناس بالصبر وحدهم.
الشعوب ليست قاصرة، وكرامتها ليست منّة من الحاكم. والسلطة ليست مالكة للدولة، بل مؤتمنة عليها.
فحين يضيق العيش بالناس، لا يكون غضبهم مفاجأة؛ المفاجأة أن تتصرّف السلطة وكأنّها لا ترى ما يحدث أمام عينيها.
إلى كلّ مسؤول في الدولة لا تسألوا كيف تُسكتون الشارع، بل اسألوا لماذا وصل الناس إلى هذه الدرجة من الغضب. فالحكم مسؤولية، والحقوق ليست منّة، والمحاسبة ليست تهديداً للدولة؛ إنّها شرط لبقائها.