إسرائيل الكبرى… مشروعٌ توسّعي أم واقعٌ يهدّد بإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط؟

د. ليون سيوفي – باحث وكاتب سياسي

هل نحن أمام مشروعٍ سياسيّ يسعى إلى توسيع النفوذ الإسرائيلي، أم أمام مرحلةٍ يجري فيها إعداد المنطقة لتغييرات جغرافية وسياسية قد تمتدّ من فلسطين إلى لبنان وسوريا والأردن؟
إنّ الحديث عن «إسرائيل الكبرى» لم يعد مجرّد نقاشٍ أيديولوجي في ظلّ ما تشهده المنطقة من حروبٍ واحتلالٍ وتوسّعٍ استيطاني، ومحاولاتٍ لفرض وقائع جديدة على الأرض. لكنّ السؤال الأساسي يبقى: هل تستطيع إسرائيل تحويل هذه الرؤى إلى واقعٍ جغرافي دائم، أم أنّ هناك حدوداً سياسية وعسكرية ودولية قد تحول دون ذلك؟

في فلسطين، يشكّل استمرار الاستيطان وتوسّعه، إلى جانب الصراع على الأرض والتهجير وتراجع فرص إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، مؤشّراتٍ خطيرة على مستقبل القضية الفلسطينية. فكلّما تحوّلت الوقائع الميدانية إلى أمرٍ واقع، ازدادت صعوبة الوصول إلى تسوية عادلة تحفظ حقوق الشعب الفلسطيني.
أمّا في سوريا، فإنّ استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في مناطق خارج خطّ الفصل، ولا سيّما بعد سقوط نظام بشار الأسد، يثير مخاوف من أن تتحوّل الإجراءات التي توصف بالمؤقتة إلى واقعٍ طويل الأمد. وهنا يبرز السؤال: هل يقتصر الأمر على اعتباراتٍ أمنية، أم أنّ الفراغ السوري والانقسامات الداخلية قد يفتحان الباب أمام إعادة رسم موازين السيطرة في المنطقة الحدودية؟
وفي لبنان، تبدو المخاطر أكثر حساسية، لأنّ البلد يعاني أصلاً من أزمة دولة وسيادة، ومن انقساماتٍ داخلية وصراعاتٍ إقليمية تتجاوز قدراته. إنّ استمرار الاحتلال أو فرض مناطق عازلة أو تغيير الوقائع على الحدود لا يشكّل تهديداً لأبناء الجنوب وحدهم، بل يمسّ سيادة لبنان ووحدة أراضيه ومستقبله.
لكن هل يعني ذلك أنّ مشروع «إسرائيل الكبرى» سيتحقّق حتماً؟
الجواب لا يمكن أن يكون حكماً مسبقاً. فوجود تياراتٍ أيديولوجية تدعو إلى توسيع حدود إسرائيل لا يعني أنّ تحقيق هذه الرؤى أصبح أمراً مضموناً. هناك موازين قوى، ومصالح دولية، وكلفة عسكرية واقتصادية، ورفضٌ شعبي وسياسي، وقواعد في القانون الدولي تحظر اكتساب الأراضي بالقوة. كما أنّ الاحتلال لا يساوي السيادة، والrسيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة اعترافاً دولياً أو استقراراً
دائماً.
غير أنّ الخطر الحقيقي يكمن في ضعف الدول العربية، وتفكّك مؤسساتها، وتحويل أراضيها إلى ساحاتٍ لتصفية الحسابات الإقليمية. فعندما تنشغل الدول بصراعاتها الداخلية، وتفقد قدرتها على بناء استراتيجية مشتركة، تصبح أكثر عرضةً للضغوط الخارجية وفرض
الوقائع عليها.
وهنا تقع المسؤولية على الدول العربية، لا في إطلاق الشعارات وحدها، بل في بناء مؤسساتٍ قوية، وتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي، وحماية الحدود، ودعم الحقوق الفلسطينية، والتمسّك بالقانون الدولي. كما تقع على عاتق المجتمع الدولي مسؤولية عدم التعامل مع الاحتلال أو التوسّع باعتبارهما أمراً طبيعياً يمكن تجاوزه بالصمت.
أمّا لبنان، فلا يجوز أن يبقى رهينة صراعات الآخرين أو رهينة الانقسام بين أبنائه. إنّ حماية لبنان تبدأ ببناء دولةٍ فعلية، وجيشٍ قادر، وقرارٍ وطني مستقل، وسياسةٍ خارجية تحمي المصالح اللبنانية، وعلاقاتٍ عربية ودولية تساند سيادته. فلا يمكن مواجهة مخاطر التوسّع بالانقسام، ولا حماية الوطن بترك مصيره معلّقاً بين مشاريع
متناقضة.
إنّ السؤال الأهم ليس فقط ما إذا كانت «إسرائيل الكبرى» ستتحقّق، بل ما إذا كانت دول المنطقة ستستفيق قبل أن تتحوّل الوقائع المفروضة إلى خرائط يصعب تغييرها.
فالتاريخ لا يصنعه الطموح وحده، بل تصنعه أيضاً قدرة الشعوب على حماية أوطانها، وقدرة الدول على منع انهيارها، وإرادة المجتمع الدولي في تطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
الشرق الأوسط أمام مفترق طرق، إمّا دولٌ تحمي سيادتها وتفرض احترام حدودها، وإمّا فراغاتٌ تتوسّع فيها مشاريع الآخرين. ولبنان، تحديداً، لا يملك ترف الانتظار، فسيادته ليست تفصيلاً في صراع المنطقة، بل شرطٌ لبقائه وطناً مستقلاً لجميع أبنائه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى