مروة أحمد عبد العليم تكتب:ما وراء الدعم المصرى للسعودية.. كيف تهدد أزمات البحر الأحمر الأمن الاقتصادي المصري؟

لم يعد أمن الدول في عالم اليوم منفصلًا عن أمن جيرانها، خاصة في منطقة تتشابك فيها المصالح السياسية والاقتصادية، وترتبط فيها حركة التجارة والاستثمار باستقرار الممرات البحرية. وفي هذا الإطار، لا يمكن النظر إلى موقف الرئيس عبد الفتاح السيسي الداعم لأمن المملكة العربية السعودية في مواجهة تهديدات الحوثيين باعتباره مجرد تعبير عن التضامن العربي، بل يرتبط أيضًا بما قد تفرضه هذه التهديدات من مخاطر على المصالح المصرية.
تبرز أهمية هذا الموقف في ضوء الارتباط المباشر بين أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب وحركة الملاحة عبر قناة السويس، أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر. فأي اضطراب في هذه المنطقة قد يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، بما ينعكس على حركة العبور بالقناة وإيراداتها. ومن ثم، فإن تداعيات التهديدات التي تواجه السعودية والملاحة في محيطها قد تتجاوز نطاقها الإقليمي، لتطال الاقتصاد المصري ومصالحه الاستراتيجية.
وقد كشفت التطورات التي شهدتها المنطقة منذ أواخر عام 2023 عن حجم هذه المخاطر. فمع تصاعد الهجمات على السفن في البحر الأحمر، اتجهت شركات شحن دولية إلى تغيير مساراتها والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما انعكس على حركة العبور بقناة السويس وإيراداتها، ووفقًا لبيانات هيئة قناة السويس التي نشرتها الهيئة العامة للاستعلامات، تراجعت إيرادات القناة خلال عام 2024 بنحو 61%، لتسجل قرابة أربعة مليارات دولار، مقارنة بنحو 10.25 مليار دولار في عام 2023، كما أشار الرئيس عبد الفتاح السيسي في يوليو 2026 إلى أن خسائر إيرادات قناة السويس تجاوزت 10 مليارات دولار بسبب عدم الاستقرار الاقليمى، وتوضح هذه الأرقام حجم التأثير الذي يمكن أن تحدثه اضطرابات الملاحة في أحد أهم موارد الدولة من العملة الأجنبية.
فى حين لا تقتصر التداعيات المحتملة للتوترات الإقليمية على قناة السويس، وإنما تمتد إلى البيئة الاقتصادية بصورة أوسع. فالمستثمر، سواء كان محليًا أو أجنبيًا، يضع في حساباته درجة الاستقرار السياسي والأمني، وقدرة الدولة على حماية البنية الأساسية، وانتظام حركة التجارة والنقل، وعندما تتصاعد المخاطر في منطقة استراتيجية مثل البحر الأحمر، يمكن أن ترتفع تكاليف النقل والتأمين، وتزداد حالة عدم اليقين بشأن سلاسل الإمداد ومواعيد وصول البضائع، بما قد يدفع بعض الشركات إلى تأجيل خططها الاستثمارية أو إعادة تقييمها.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة لمصر، التي تعمل على جذب الاستثمارات وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتطوير المناطق الصناعية واللوجستية، وتعزيز دورها كمركز إقليمي للتجارة والخدمات. فهذه الأهداف تحتاج إلى بيئة مستقرة نسبيًا، تسمح باستمرار النشاط الاقتصادي وتمنح المستثمرين قدرًا من الثقة في قدرة الأسواق وخطوط التجارة على العمل بصورة منتظمة، وكلما اتسعت الاضطرابات الإقليمية، ازدادت التحديات التي تواجه هذه الجهود، حتى إن لم تؤدِّ بالضرورة إلى تراجع الاستثمارات بصورة مباشرة. كذلك، فإن انخفاض الإيرادات المرتبطة بالتجارة أو ارتفاع تكاليف النقل والاستيراد قد يضيف ضغوطًا على الموارد المالية، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى تمويل مشروعاتها الإنتاجية والخدمية ومواصلة خطط التنمية.
ومن هنا، فإن احتواء التوترات المحيطة بمصر لا يمثل هدفًا سياسيًا وأمنيًا فحسب، بل يرتبط أيضًا بتقليل المخاطر التي قد تعرقل مسارها الاقتصادي والتنموي. وبالتالي، فإن التهديدات التي تواجه المملكة لا يمكن النظر إليها باعتبارها شأنًا منفصلًا عن بقية دول المنطقة، خاصة عندما تكون لها انعكاسات محتملة على أمن الممرات البحرية والمصالح الاقتصادية المشتركة. ولا تقتصر أهمية الشراكة بين البلدين على مساندة أحدهما للآخر عند وقوع الأزمات، بل تمتد إلى التنسيق بشأن التحديات المشتركة والعمل على احتواء التوترات قبل تحولها إلى صراعات أوسع، فالتعامل مع هذه التحديات يتطلب مراعاة الترابط بين أمن الدول العربية ومصالحها، مع الأخذ في الاعتبار اختلاف الظروف والحسابات الخاصة بكل دولة. ومن هذا المنطلق، فإن دعم السعودية في مواجهة التهديدات يرتبط بحماية المصالح المتبادلة، إلى جانب ما يعكسه من طبيعة العلاقات بين البلدين.
وفي ظل هذه التحديات، يظل احتواء التصعيد في البحر الأحمر واليمن ضرورة لتجنب تحول الهجمات المتبادلة إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها، فاستهداف الأراضي أو المنشآت الحيوية أو خطوط الملاحة قد يؤدي إلى ردود فعل متتابعة، بما يزيد المخاطر الأمنية والاقتصادية على المنطقة بأكملها. ومن ثم، لا يمكن الاعتماد على المقاربة الأمنية وحدها في التعامل مع تهديدات الحوثيين؛ إذ تظل التسوية السياسية للأزمة اليمنية، ومعالجة أسباب الصراع، والحفاظ على وحدة اليمن واستقراره، عناصر أساسية للحد من فرص تجدد المواجهات. فالإجراءات الدفاعية قد توفر الحماية من التهديدات المباشرة، لكنها لا تغني عن مسار سياسي يتيح تحقيق استقرار مستدام.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة موقف الرئيس السيسي باعتباره تعبيرًا عن “مقاربة وقائية” للأمن القومي، لا تنتظر وصول التهديد إلى الحدود المصرية حتى تتحرك للتعامل معه، بل تأخذ في الاعتبار ما قد تترتب عليه التطورات الإقليمية من آثار على المصالح الوطنية. فدعم المملكة العربية السعودية، في هذا الإطار، يرتبط بحسابات تتجاوز التضامن السياسي إلى حماية المصالح الاستراتيجية والاقتصادية المصرية. وكلما أمكن احتواء مصادر التوتر مبكرًا، تراجعت احتمالات انتقال تداعياتها إلى الملاحة والتجارة والاقتصاد، بما يساعد مصر على حماية مصالحها ومواصلة خططها التنموية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى