طريق بحر الشمال.. هل يعيد رسم خريطة التجارة العالمية؟

بقلم: مروة أحمد عبد العليم
أعادت التوترات المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط قضية أمن الممرات البحرية إلى صدارة اهتمامات التجارة العالمية. فمع تزايد المخاطر في مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس، أصبحت حركة السفن تواجه ضغوطا غير مسبوقة، وتتجه شركات الشحن لإعادة حساب مساراتها بين آسيا وأوروبا.
في هذا السياق، يعود طريق بحر الشمال الممتد بمحاذاة الساحل القطبي الروسي إلى واجهة النقاش كخيار بديل.
لماذا عاد للواجهة الآن؟
لسنوات كان طريق بحر الشمال مشروعا مستقبليا واعدا لكنه مؤجل، بسبب الجليد، والحاجة لسفن متخصصة، وضعف البنية التحتية. ما تغير اليوم هو أن اضطراب المسارات التقليدية جعل تنويع طرق النقل ضرورة وليس رفاهية.
الترابط بين الممرات يفسر حساسية الموقف. هرمز هو شريان الطاقة العالمي، وباب المندب هو بوابة البحر الأحمر، والبحر الأحمر يصب في قناة السويس التي تربط أوروبا بآسيا. أي اضطراب هناك ينعكس فورا على تكلفة الشحن، وأسعار التأمين، ومواعيد وصول البضائع. لذلك تبحث الشركات عن مسارات تمنحها مرونة حتى لو تطلبت استثمارات إضافية.
ما هو الطريق وما ميزته؟
يمتد الطريق من مناطق في الجزء الأوروبي من روسيا وحتى الشرق الأقصى الروسي عبر المياه القطبية.
ميزته الأساسية جغرافية: تشير التقديرات إلى أنه أقصر بنحو 30 إلى 35% من المسار التقليدي عبر قناة السويس في بعض الرحلات، ما يعني تقليل زمن الرحلة واستهلاك الوقود. هذه الميزة تصبح حاسمة عند نقل الحاويات بين موانئ آسيا وأوروبا، لكن قصر المسافة وحده لا يكفي لجعله طريقا رئيسيا.
فالملاحة القطبية تحتاج سفن ذات تجهيز خاص، وخدمات إرشاد ملاحي، ومتابعة لحظية لحالة الجليد والطقس، وموانئ ومراكز لوجستية متطورة.
المشروع الروسي الأوسع
روسيا لا تتعامل معه كمجرد ممر بحري، بل كجزء من **الممر العابر للقطب الشمالي**، وهو شبكة تشمل السكك الحديدية والطرق والممرات النهرية والموانئ، لربط سيبيريا والأورال والشرق الأقصى بالموانئ الخارجية.
التحدي الأكبر هو كاسحات الجليد. لا تستطيع السفن التقليدية عبور بعض المقاطع دون مرافقتها. وتعمل موسكو على زيادة أسطول السفن القطبية عالية القدرة من فئة Arc7 من نحو 40 سفينة حاليا إلى **122 سفينة بحلول 2030**، مع تطوير أنظمة الاتصال والملاحة وتحديد المواقع.
ماذا تقول الأرقام؟
النمو موجود لكنه لا يزال مرتبطا بالاقتصاد الروسي أكثر من كونه تجارة عابرة منتظمة:
من 3.98 مليون طن عام 2014 إلى 37 مليون طن عام 2025
31 مليون طن خلال أول 9 أشهر من 2026، بزيادة 20% عن نفس الفترة من العام السابق
توقعات شركة روس اتوم بالوصول إلى 40 مليون طن على الأقل بنهاية 2026
هدف روسي للوصول إلى 110 – 150 مليون طن بحلول 2030
مؤشرات الاهتمام الدولي
الصين: ارتفع عدد رحلات سفن الحاويات الصينية عبر الطريق من 7 رحلات في 2023 إلى أكثر من 30 رحلة في 2026. في سبتمبر 2026 ذكرت Financial Times أن سفينة الحاويات الصينية Dubai Tower وصلت من تشينجداو إلى فيليكستو البريطاني عبر المسار القطبي في **24 يوما**، مقابل 40 يوما على الأقل عبر قناة السويس أو حول رأس الرجاء الصالح. سفينة أخرى لنفس الشركة أبحرت من نينجبو إلى فيليكستو في 27 سبتمبر عبر نفس الطريق.
كوريا الجنوبية: في 23 أغسطس 2026 انطلقت سفينة الحاويات PanStar Acro من بوسان نحو أوروبا عبر القطب في رحلة تجريبية مدتها 45 يوما، على أن تقيّم سيول النتائج قبل اتخاذ قرار بالتشغيل المنتظم المحتمل في 2030.
التحديات التي تمنعه من أن يكون بديلا كاملا
المناخ: الجليد والطقس القاسي يتطلبان سفنا وتجهيزات خاصة.
التكلفة التشغيلية: الاستعانة بكاسحات الجليد وتطوير الموانئ قد يلتهم جزءا من مكاسب اختصار المسافة.
الاعتبارات السياسية والمالية: التأمين، والخدمات المالية، والعقوبات، والضغوط السياسية. حتى التغطيات الكورية أشارت إلى احتمال تعرض سيول لضغوط أمريكية حال التوسع في استخدام الطريق.
الخلاصة.. ماذا يعني هذا لقناة السويس؟
طريق بحر الشمال ليس بديلا خاليا من التحديات، ولا يمكنه حتى الآن استيعاب حركة منتظمة واسعة النطاق تضاهي قناة السويس. هو خيار إضافي تفرضه الأزمات.
استمرار الاهتمام به سيظل مرتبطا بمسارين: مدى استمرار تأثير الحرب في الشرق الأوسط على الشحن الدولي، ومدى قدرة منظومته اللوجستية على تقديم خدمة مستقرة واقتصادية.
وتبقى الأولوية، كما يختم المقال، لوقف الحرب واحتواء التوترات الإقليمية لعودة الملاحة الآمنة عبر الممرات التقليدية، وعلى رأسها قناة السويس، بدلا من اضطرار خطوط الشحن للبحث عن مسارات بديلة تحت ضغط الأزمات.