حين تتحدث الإرادة… شهادة من قلب الحدث

بقلم : د خالد سمير

هناك لحظات في حياة الإنسان تترك أثرًا لا يمحوه الزمن، لأنها لا تمنحه متعة المشاهدة فحسب، بل تمنحه درسًا في الإيمان والإرادة والقدرة على تجاوز المستحيل. ومن بين هذه اللحظات، كان تشرفي بحضور اختبارات اختيار لاعبي منتخب مصر لكرة القدم لذوي الساق الواحدة، استعدادًا للمشاركة في بطولة العالم.

وأكتب هذه الكلمات بصفتي عضوًا بمجلس إدارة اللجنة البارالمبية المصرية، وشاهدًا على يوم سيظل محفورًا في الذاكرة، ليس لما حمله من منافسات رياضية فقط، بل لما قدمه من معانٍ عظيمة تؤكد أن الإنسان يستطيع أن يتجاوز كل التحديات عندما يمتلك العزيمة والإيمان بنفسه.

دخلت الملعب وأنا أتوقع مشاهدة اختبارات لاختيار أفضل اللاعبين، لكنني خرجت وأنا أكثر يقينًا بأن الإرادة هي أعظم قوة يمكن أن يمتلكها الإنسان. فما شاهدته لم يكن مجرد مباريات لكرة القدم، بل كان لوحة إنسانية رائعة رسمها أبطال قرروا أن تكون أحلامهم أكبر من أي تحدٍ، وأن يكون شعارهم الدائم: لا مكان للمستحيل.

منذ البداية، لفت انتباهي المستوى الفني المتميز الذي قدمه اللاعبون. مهارات فردية راقية، سرعة في الأداء، ذكاء تكتيكي، انضباط داخل الملعب، وروح قتالية لا تعرف الاستسلام. للحظات كثيرة، نسيت أن هؤلاء اللاعبين يمارسون اللعبة بساق واحدة، لأن ما رأيته كان أداءً كرويًا يفرض الاحترام والإعجاب، ويؤكد أن كرة القدم لا تعترف إلا بالموهبة والعمل والاجتهاد.

والأجمل من ذلك أن هؤلاء الأبطال قدموا من مختلف محافظات مصر، يحمل كل واحد منهم حلمًا واحدًا، وهو أن يحظى بشرف ارتداء قميص منتخب مصر، وأن يمثل وطنه في بطولة العالم لكرة القدم لذوي الساق الواحدة. كانت المنافسة قوية وشريفة، لكن ما جمعهم كان أكبر من المنافسة؛ جمعهم حب الوطن، والإيمان بأن تمثيل مصر شرف يستحق أن يبذل الإنسان من أجله كل ما يملك.

ولعل الكثيرين لا يعرفون أن كرة القدم لذوي الساق الواحدة أصبحت اليوم واحدة من الرياضات التي تشهد تطورًا ملحوظًا في مصر. فقد نجحت في تكوين قاعدة من اللاعبين أصحاب المستويات الفنية المتميزة، وأصبح من بينهم من خاض تجارب احترافية ناجحة خارج البلاد، مؤكدين أن اللاعب المصري قادر على المنافسة في أي مكان عندما يجد الرعاية والفرصة المناسبة.

لكن خلف كل لاعب من هؤلاء الأبطال قصة كفاح تستحق أن تُروى. فكل واحد منهم واجه ظروفًا صعبة، وتغلب على تحديات ربما كانت كفيلة بأن توقف أحلام غيره، إلا أنهم اختاروا طريق التحدي، وجعلوا من الرياضة وسيلة لإثبات الذات .
لذلك فإنني أؤمن بأن دعم رياضة ذوي الساق الواحدة وغيرها من الرياضات البارالمبية ليس مجرد واجب رياضي، بل هو واجب وطني وإنساني. فهؤلاء الرياضيون يقدمون صورة مشرقة لمصر، ويؤكدون للعالم أن أبناء هذا الوطن قادرون على صناعة الإنجاز مهما كانت التحديات.

ولا يفوتني في هذا المقام أن أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى وزارة الشباب والرياضة، بقيادة معالي الدكتور أشرف صبحي، لما توليه من اهتمام كبير بالرياضة البارالمبية، وما تقدمه من دعم ورعاية مستمرة لأبطالنا من ذوي الهمم، إيمانًا منها بأن الاستثمار في الإنسان هو أساس بناء الوطن، وأن تمكين أصحاب الهمم جزء أصيل من رؤية الدولة المصرية. لقد كان لهذا الدعم أثر واضح في اتساع قاعدة المشاركة، وتوفير البيئة المناسبة لاكتشاف المواهب، وصناعة أبطال يرفعون راية مصر في المحافل الدولية.

كما أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى زملائي أعضاء مجلس إدارة اللجنة البارالمبية المصرية، الذين يعملون بروح الفريق الواحد، واضعين نصب أعينهم خدمة الرياضة البارالمبية وتوفير كل سبل الدعم لأبطالها، إيمانًا منهم بأن النجاح الحقيقي يتحقق بالعمل الجماعي والتخطيط والإخلاص.

وأخص بالشكر والتقدير لجنة كرة القدم للساق الواحدة، بكل أعضائها، والأجهزة الفنية والإدارية والطبية، الذين يبذلون جهودًا كبيرة في اكتشاف المواهب، وتنظيم المسابقات والاختبارات، وإعداد اللاعبين بدنيًا وفنيًا ونفسيًا، حتى أصبحت مصر تمتلك منتخبًا قادرًا على المنافسة المشرفة على المستوى العالمي.

كما أتقدم بالشكر لكل من احتضن هؤلاء اللاعبين وآمن بقدراتهم، وإلى كل راعٍ وداعم ومتطوع وإعلامي ساهم في إبراز الرياضة الباراليمبيه وتسليط الضوء على إنجازاتها، وإلى أسر اللاعبين التي كانت ولا تزال الداعم الأول لهم، وشريكًا حقيقيًا في كل نجاح يحققونه.

إن هؤلاء الأبطال يستحقون كل احترام وتقدير، لأنهم يقدمون كل يوم درسًا جديدًا في الصبر والعزيمة والانتماء. إنهم سفراء لمصر قبل أن يكونوا لاعبين، ورسالتهم تتجاوز حدود الملعب لتؤكد أن الإنسان يستطيع أن يصنع الإنجاز عندما يؤمن بنفسه.

لقد غادرت هذه الاختبارات وأنا أكثر فخرًا واعتزازًا بما تمتلكه مصر من طاقات بشرية عظيمة. وأثق أن المنتخب الذي سيتم اختياره سيكون خير سفير لوطننا، وسيواصل كتابة صفحات جديدة من الإنجازات في بطولة العالم، بإذن الله.

وفي الختام، أقول لهؤلاء الأبطال: لقد منحتمونا جميعًا درسًا في الحياة قبل أن تقدموا لنا متعة كرة القدم. أثبتم أن الإرادة تنتصر على الصعاب، وأن الحلم لا تحده الظروف، وأن من يؤمن بقدراته يستطيع أن يكتب تاريخًا يفتخر به وطنه.

كل الأمنيات بالتوفيق لأبطال منتخب مصر لكرة القدم لذوي الساق الواحدة، ولكل من شارك في هذه الاختبارات، فأنتم جميعًا فائزون بما قدمتموه من صورة مشرفة للرياضة المصرية. وسيبقى هذا اليوم بالنسبة لي شاهدًا على أن البطولة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأهداف، وإنما بحجم الإرادة التي تقود أصحابها إلى المجد

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى