لماذا في العلمين؟… أسئلة مشروعة لا يجيب عنها الصمت ؟!!!

رؤية وتحليل: علي خليل
حين يعود منتخب مصر من بطولة عالمية، يكون المشهد الطبيعي أن تستقبله الجماهير في قلب القاهرة، أو في أحد الميادين الكبرى، حيث يلتقي الشعب بأبطاله. أما أن يرتبط التكريم بمدينة العلمين، بعيدًا عن الكثافة الجماهيرية المعتادة، فهذا يفتح الباب أمام تساؤلات لا يجوز الاستخفاف بها أو التعامل معها باعتبارها مجرد “شائعات”.
البيانات الرسمية قد تتحدث عن سهولة التنظيم، أو تجنب الزحام، أو اعتبارات أمنية ولوجستية، لكن الرأي العام لديه حق مشروع في أن يسأل: لماذا تغيرت التقاليد؟ ولماذا بدا وكأن هناك حرصًا على أن يبقى الاحتفال تحت السيطرة الكاملة؟
لقد تداولت مواقع التواصل عدة تفسيرات؛ منها أن الدولة أرادت تجنب الحشود الضخمة، أو صعوبة تأمين مئات الآلاف من المحتفلين، أو الخشية من رفع أعلام فلسطين وتحويل الاحتفال الرياضي إلى مناسبة للتعبير السياسي. ولا توجد أدلة قاطعة تؤكد هذه التفسيرات، لكنها تعكس حالة من انعدام الثقة بين الشارع والخطاب الرسمي، وهي في حد ذاتها قضية تستحق التوقف عندها.
فالرياضة في كل دول العالم ليست مجرد مباراة، وإنما مناسبة يعبّر فيها الناس عن مشاعرهم الوطنية، وأحيانًا عن مواقفهم السياسية. وعندما يشعر المواطن أن الاحتفال أصبح محاطًا بقيود غير مفهومة، فإن الأسئلة تصبح أكبر من المناسبة نفسها.
في المقابل، لا يمكن فصل هذا الجدل عن المشهد الاقتصادي الذي تعيشه مصر. فالدولة تواجه تحديات اقتصادية كبيرة، مع ارتفاع حجم الدين الخارجي، واستمرار الحاجة إلى تمويلات وقروض جديدة، بينما يدور نقاش واسع حول أولويات الإنفاق العام. ويطرح كثيرون سؤالًا مشروعًا: هل تحصل المشروعات الإنتاجية، التي توفر فرص العمل وتزيد الصادرات، على الأولوية نفسها التي تحصل عليها المشروعات العمرانية الكبرى؟
لا أحد ينكر أهمية تطوير البنية التحتية أو إنشاء مدن جديدة، لكن قيمة أي مشروع تقاس في النهاية بقدرته على تحسين حياة المواطن، وزيادة الإنتاج، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وتعزيز الاقتصاد الحقيقي. أما إذا شعر المواطن بأن الإنجازات العمرانية لا تنعكس على مستوى معيشته، فإن الفجوة بين الصورة والواقع تتسع.
ومن هنا، فإن الجدل حول مكان تكريم المنتخب لا يتعلق بالمكان ذاته، وإنما بما يرمز إليه. فحين يصبح اختيار موقع الاحتفال محل نقاش وريبة، فهذا يعني أن الأزمة ليست في المدينة، بل في غياب التواصل والإقناع.
الدول القوية لا تخشى جماهيرها، بل تعتبرها مصدر شرعيتها وقوتها. والجماهير التي خرجت للاحتفال بفوز منتخبها هي نفسها التي تستحق أن تُسمع أسئلتها وهمومها الاقتصادية والسياسية، لا أن تُقابل بالصمت أو بالاكتفاء بتفسيرات مقتضبة.
إن الثقة بين الدولة والمجتمع لا تُبنى بالمنشآت وحدها، ولا بالصور المبهرة، وإنما بالشفافية، واحترام حق الناس في التساؤل، ووضوح الأولويات الاقتصادية، وفتح المجال أمام التعبير السلمي والمسؤول.
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة واضحة: هل كان اختيار العلمين مجرد قرار تنظيمي بحت، أم أن هناك اعتبارات أخرى رأت الجهات المعنية أنها تستوجب إبعاد الاحتفال عن المشهد الجماهيري التقليدي؟
الإجابة الصريحة هي وحدها القادرة على إنهاء الجدل. أما ترك المجال للتكهنات، فإنه لا يفعل سوى توسيع دائرة الشك، وهو ما لا يخدم الدولة ولا المجتمع.
