هل تُرسم خرائط الشرق الأوسط من بوابة لبنان؟

مفاوضات روما بين إدارة الأزمة وصناعة التوازنات الجديدة
بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
لم تكن المفاوضات التي احتضنتها العاصمة الإيطالية روما مجرد لقاء تقني بين وفدين لبناني وإسرائيلي لبحث ترتيبات أمنية أو آليات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، بل بدت وكأنها حلقة جديدة في مسار إقليمي أوسع، يتجاوز الحدود اللبنانية ليطال مستقبل الشرق الأوسط بأسره.
فالمنطقة تشهد منذ أشهر تحولات متسارعة، بدأت مع الحرب في غزة، وامتدت إلى لبنان وسوريا وإيران، وصولاً إلى إعادة تموضع القوى الدولية والإقليمية. وفي ظل هذه المتغيرات، بات من الواضح أن الملفات لم تعد تُعالج بصورة منفصلة، بل أصبحت مترابطة ضمن رؤية أشمل تسعى إلى بناء توازنات جديدة وإعادة صياغة منظومة الأمن الإقليمي.
وفي هذا السياق، يبدو أن لبنان لم يعد مجرد طرف في نزاع حدودي، بل أصبح جزءاً من معادلة استراتيجية تتداخل فيها المصالح الأميركية والإسرائيلية، إلى جانب حسابات دول عربية وقوى إقليمية أخرى. وهذا لا يعني بالضرورة وجود اتفاق شامل أو مخطط مُعلن، لكنه يعكس واقعاً مفاده أن أي تطور في الجنوب اللبناني أصبح يتأثر بمسار التفاهمات والصراعات الأوسع في المنطقة.
من هنا، يمكن فهم الإصرار الأميركي على الدفع نحو تثبيت ترتيبات أمنية مستدامة، باعتبار أن استقرار الجبهة اللبنانية يشكل أحد عناصر الاستقرار الإقليمي. وفي المقابل، تسعى إسرائيل إلى تحويل أي تفاهم ميداني إلى ضمانات أمنية طويلة الأمد، بينما يحرص لبنان على التمسك بمطلب الانسحاب الكامل واحترام سيادته وفق القرارات
الدولية.
غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق بما سيحدث في الجنوب اللبناني فحسب، بل بما إذا كانت هذه المفاوضات تشكل مقدمة لمرحلة سياسية جديدة في الشرق الأوسط، أم أنها مجرد محاولة لإدارة التوتر ومنع انفجاره دون معالجة أسبابه العميقة.
إن التجارب السابقة تدل على أن الاتفاقات الأمنية تستطيع تهدئة الجبهات لفترات متفاوتة، لكنها لا تكفي وحدها لإنتاج سلام دائم إذا بقيت القضايا السياسية الأساسية من دون حلول. ولهذا، فإن نجاح أي ترتيبات ميدانية سيظل مرتبطاً بإرادة سياسية أوسع، وبقدرة الأطراف المعنية على الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً.
أما لبنان، فإنه يقف اليوم أمام اختبار دقيق. فالتحدي لا يقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار أو استعادة ما تبقى من الأراضي المحتلة، بل يمتد إلى كيفية حماية سيادته ومنع تحوله إلى ساحة دائمة لتصفية الحسابات الإقليمية. وهذا يتطلب دولة قوية، ومؤسسات فاعلة، ورؤية وطنية موحدة تجعل المصلحة اللبنانية فوق أي اعتبار آخر.
إن ما يجري في روما قد يكون بداية لمسار جديد، وقد يكون مجرد محطة في سلسلة طويلة من المفاوضات. لكن المؤكد أن مستقبل لبنان لن يتحدد فقط داخل قاعات التفاوض، بل أيضاً وفق الاتجاه الذي ستسلكه التحولات الكبرى في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.
وفي عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة غير مسبوقة، تبقى الحقيقة الثابتة أن الدول التي لا تمتلك مشروعاً وطنياً واضحاً، غالباً ما تجد نفسها تتأثر بمشاريع الآخرين أكثر مما تؤثر فيها. ومن هنا، فإن مستقبل لبنان لن يُصنع فقط على طاولة المفاوضات، بل بإرادة اللبنانيين في بناء دولة سيدة، قوية، قادرة على حماية قرارها الوطني والتعامل مع المتغيرات الإقليمية من موقع الشريك لا الساحة…