هيكل يحمي “الهيكل”… ويمنع لبنان من الانزلاق…

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
في الآونة الأخيرة، تصاعد الحديث في الأوساط السياسية والإعلامية عن احتمال إقالة رودولف هيكل، بل إن هذا الطرح لم يعد يقتصر على بعض السياسيين، وإنما بدأ يتردد أيضًا على ألسنة شخصيات عسكرية سابقة. وفي بلد يعيش على وقع الأزمات والانقسامات، يصبح من الضروري التوقف عند هذا الطرح بعيدًا عن الحسابات الشخصية والسياسية.
إن قيادة الجيش اللبناني ليست مجرد منصب إداري يمكن التعامل معه بمنطق المحاصصة أو تصفية الحسابات، بل هي مسؤولية وطنية تتعلق بأمن الدولة واستقرارها. وأي نقاش حول تغيير قائد الجيش يجب أن ينطلق من معايير الكفاءة والأداء والمصلحة الوطنية، لا من الرغبات السياسية أو الضغوط الآنية.
لقد تولى العماد رودولف هيكل مسؤولياته في واحدة من أدق المراحل التي مر بها لبنان، في ظل تحديات أمنية معقدة، وضغوط اقتصادية خانقة، وتوترات إقليمية متواصلة. وفي مثل هذه الظروف، تصبح المحافظة على استقرار المؤسسة العسكرية هدفًا بحد ذاته، لأن الجيش يبقى المؤسسة الوطنية الجامعة التي لا تزال تحظى بثقة شريحة واسعة من اللبنانيين.
ولا شك أن أي مسؤول عام يخضع للنقد والمساءلة، وهذا أمر طبيعي في أي دولة، لكن الدعوة إلى الإقالة يجب أن تستند إلى وقائع ومعايير موضوعية، لا إلى الشائعات أو المواقف السياسية. فاستقرار القيادة العسكرية ليس شأنًا شخصيًا، بل هو جزء من الأمن القومي اللبناني.
لبنان اليوم يقف على مفترق طرق. فالمنطقة تشهد تحولات كبرى، والحدود الجنوبية لا تزال مصدر توتر، فيما يواجه الداخل أزمات اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة. وفي مثل هذه المرحلة، يحتاج الوطن إلى تعزيز مؤسساته لا إلى إضعافها، وإلى تحييد الجيش عن التجاذبات السياسية، كي يبقى الضامن الأخير لوحدة الدولة وأمنها.
إن حماية “الهيكل” الحقيقي لا تعني حماية شخص، بل حماية هيكل الدولة اللبنانية ومؤسساتها. فإذا اهتزت المؤسسات، اهتزت الدولة، وإذا بقيت المؤسسات متماسكة، بقي الأمل بقيام دولة قادرة على مواجهة الأزمات.
من هنا، فإن أي قرار يتعلق بقيادة الجيش يجب أن يُبنى على تقييم مهني ووطني دقيق، لأن مصلحة لبنان يجب أن تبقى فوق كل اعتبار، بعيدًا عن الحسابات الضيقة، وبما يحفظ استقرار البلاد ويمنعها من الانزلاق إلى مزيد من الانقسام والاضطراب