هل تُحضِّر واشنطن لحربٍ سورية ضد حزب الله؟ أم أن المنطقة أمام إعادة توزيع للأدوار؟

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي ألمح فيها إلى أن سوريا قد تكون أكثر قدرة من إسرائيل على التعامل مع ملف حزب الله، تساؤلات واسعة حول دلالاتها في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشرق العربي. ويطرح ذلك تساؤلاً أساسياً حول ما إذا كانت المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة الأدوار العسكرية والسياسية بعد سنوات من الصراعات المفتوحة.

ورغم أن التصريح قد يبدو للبعض عابراً، فإن قراءته في سياق السياسة الدولية تكتسب أهمية خاصة عند ربطه بالتطورات الإقليمية الراهنة. فالإشارة الأمريكية إلى دور سوري محتمل قد تعكس وجود تصورات استراتيجية تتجاوز حدود مواجهة أمنية محدودة.

بالتوازي مع ذلك، تتزايد التقارير عن حشود عسكرية في منطقة القصير السورية المحاذية للبنان، تضم وحدات من وزارة الدفاع السورية وعناصر من تشكيلات مختلفة. ورغم غياب معلومات رسمية دقيقة بشأن طبيعة هذه التحركات، فإن الأهمية الاستراتيجية للمنطقة تجعلها محط اهتمام ومراقبة من مختلف الأطراف الإقليمية.

وفي ضوء هذه المعطيات، يبرز سؤال رئيسي: هل تشير هذه المؤشرات إلى توجه نحو تقليص دور المواجهة الإسرائيلية المباشرة وإسناد أدوار أكبر لقوى إقليمية أخرى، أم أنها تندرج ضمن إعادة ترتيب التوازنات الأمنية على الحدود السورية اللبنانية؟

من المبكر الجزم بأن الولايات المتحدة تدعم اندلاع حرب شاملة جديدة، خاصة مع تزايد الحديث عن تفاهمات أمريكية ـ إيرانية ومساعٍ لخفض التوتر. كما أن أي مواجهة واسعة بين سوريا وحزب الله قد تخلّف تداعيات معقدة على الاستقرار الإقليمي وتنعكس على مسارات التفاوض بين واشنطن وطهران.

أما إيران، فمن المرجح أن تنظر إلى أي استهداف واسع لحزب الله من زاوية تأثيره على شبكة تحالفاتها الإقليمية، نظراً إلى الموقع الذي يشغله الحزب ضمن هذه المنظومة. لذلك قد يُنظر إلى أي تطور يمس قدراته بصورة جوهرية باعتباره مؤثراً في مستوى نفوذها الإقليمي. ومع ذلك، يبقى شكل الرد الإيراني المحتمل مرتبطاً بالظروف السياسية القائمة وبمآلات المفاوضات مع الولايات المتحدة.

وفي العراق، تمثل الفصائل المسلحة المرتبطة بمحور المقاومة عنصراً إضافياً في المعادلة. فكلما اتسع نطاق أي مواجهة محتملة، ازدادت احتمالات انخراط أطراف أخرى، بما قد يؤدي إلى توسيع دائرة التداعيات الإقليمية.

غير أن قراءة أعمق للمشهد تفتح الباب أمام احتمال مختلف. فبدلاً من افتراض اقتراب حرب شاملة، يمكن تفسير التطورات الحالية باعتبارها جزءاً من عملية إعادة تنظيم للبيئة الأمنية الإقليمية، تقوم على تعزيز دور الدول في إدارة الملفات الأمنية التي كانت تُدار سابقاً عبر المواجهات المباشرة أو من خلال الفاعلين غير الحكوميين.

وفق هذا التصور، لا تبدو سوريا بديلاً عن إسرائيل في مواجهة حزب الله، بل جزءاً من ترتيبات إقليمية أوسع قد تكون قيد البحث أو التبلور في مرحلة تسعى إلى تجاوز إرث سنوات طويلة من عدم الاستقرار.

وتزداد أهمية هذا الاحتمال مع تزامنه مع الحديث عن تفاهمات أمريكية ـ إيرانية محتملة وترتيبات أمنية جديدة في لبنان وسوريا والعراق. وإذا كانت هذه المؤشرات تعكس بالفعل مساراً سياسياً آخذًا في التشكل، فقد يكون ما نشهده اليوم أقرب إلى مرحلة انتقالية يُعاد خلالها توزيع النفوذ والأدوار بين القوى الإقليمية والدولية، لا إلى مقدمة حتمية لمواجهة عسكرية جديدة.

ويبقى السؤال الأهم: هل تعكس هذه التحولات مسعى لخفض التوترات المزمنة في المنطقة، أم أنها تمثل شكلاً جديداً من إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية مع استمرار تأثير المصالح الاستراتيجية الكبرى؟

الأشهر المقبلة قد تحمل معطيات أوضح تسمح بتقييم هذه الاحتمالات بصورة أكثر دقة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى