لبنان على طاولة الكبار..من يقرر مصير الوطن خلف الأبواب المغلقة؟

بفلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
في كل مرة تهتز فيها المنطقة على وقع المفاوضات والاتصالات الكبرى، ينشغل اللبنانيون بالأسماء، هل ستبقى الحكومة؟ هل سيتغير رئيسها؟ من سيأتي ومن سيرحل؟ وهل هناك اسم جديد سيُطرح لمنصب رئاسة الحكومة في المرحلة المقبلة، أم أن التوازنات الحالية ستُبقي المشهد السياسي على حاله؟
وفي موازاة ذلك، يبرز سؤال أساسي يتعلق بدور حزب الله في المرحلة المقبلة، ولا سيما في ظل المفاوضات غير المباشرة والاتصالات الجارية بين لبنان وإسرائيل.
فالحزب الذي شكّل لعقود لاعباً أساسياً في معادلة الصراع مع إسرائيل يجد نفسه اليوم أمام مرحلة مختلفة قد تفرض عليه إعادة تموضع سياسي أو أمني يتناسب مع المتغيرات الإقليمية والدولية. وبين من يرى أن دوره سيبقى محورياً في أي ترتيبات تتصل بالحدود والأمن والاستقرار، ومن يعتقد أن الضغوط الدولية قد تدفع نحو صيغة جديدة لدوره داخل الدولة اللبنانية، تبقى الصورة مرتبطة بنتائج المفاوضات والتفاهمات التي لم تتضح معالمها النهائية بعد.
لكن التجارب القاسية التي عاشها لبنان أثبتت أن الحكومات ليست سوى نتيجة للتوازنات، وليست هي من يصنعها. فعندما تبدأ الدول الكبرى برسم خرائط النفوذ والمصالح، وتُعقد التفاهمات الإقليمية والدولية بعيداً عن الأضواء، تصبح الحكومات مجرد تفصيل في مشهد أكبر بكثير. كما يبرز تساؤل إضافي يفرض نفسه بقوة في هذه المرحلة: هل سنشهد دوراً جديداً لحزب الله في لبنان والمنطقة بعد الزيارة إلى قطر وما تردد عن تفاهمات أو نقاشات جرت مع الإدارة الأمريكية؟ وهل ستنعكس هذه التطورات على موقع الحزب ودوره السياسي والأمني ضمن المعادلات الجديدة التي يجري رسمها؟
- اليوم، ومع الحديث المتزايد عن الاتصالات التي جرت في قطر بين أطراف من حزب الله وجهات دولية، وما رافقها من نقاشات تتصل بمستقبل المنطقة ومرحلة ما بعد المواجهات العسكرية، يعود السؤال اللبناني القديم إلى الواجهة: هل يُصاغ مستقبل لبنان مرة جديدة خارج حدوده؟
المسألة لم تعد مرتبطة بتهدئة على الحدود أو بوقف إطلاق نار هنا أو هناك. ما يجري يبدو أكبر من ذلك. إنه يتعلق بشكل لبنان المقبل، وبالتوازنات التي ستُحكمه، وبالدور الذي سيُراد له أن يلعبه في شرق أوسط يعاد تشكيله على وقع التسويات الكبرى.
وفي خضم هذا المشهد، يخشى اللبنانيون أن يجدوا أنفسهم مرة أخرى أمام قرارات مصيرية اتُّخذت باسمهم من دون أن يكون لهم أي دور في صياغتها. فالتاريخ اللبناني مليء بالمحطات التي دفعت فيها البلاد أثمان الصراعات الإقليمية والدولية، فيما كانت القرارات الحاسمة تُطبخ في العواصم وتُنفذ على الأرض اللبنانية.
لقد دفع اللبنانيون من دمائهم وأرزاقهم وأمنهم واستقرارهم ما يكفي. تهدمت القرى، وهاجر الشباب، وانكمش الاقتصاد، وتآكلت مؤسسات الدولة، فيما استمرت القوى الدولية والإقليمية في إدارة صراعاتها وتسوياتها فوق الساحة اللبنانية.
ومن هنا يبرز السؤال الأخطر: إذا كانت هذه الاتصالات تمهد لتحولات سياسية كبرى، فهل ستبقى الحكومة الحالية قادرة على مواكبتها؟ أم أن المرحلة المقبلة ستفرض وجوهاً جديدة وأدوات سياسية جديدة تتلاءم مع التوازنات التي يجري إعدادها؟
-
إن القضية الحقيقية ليست مصير حكومة نواف سلام، بل مصير لبنان نفسه.
ماذا يُطلب من لبنان في الكواليس؟ ما هي الالتزامات التي يجري التفاوض حولها؟
وأين تنتهي حدود التسوية، وأين تبدأ حدود التنازل؟
إن أي تفاهم لا يحفظ سيادة لبنان وكرامة شعبه وحقه في اتخاذ قراره الوطني الحر، سيبقى اتفاقاً ناقصاً مهما حظي بالدعم الدولي أو حُمِّل بعناوين براقة.
فالخطر الحقيقي لا يكمن في سقوط حكومة أو بقاء أخرى بل في أن يستيقظ اللبنانيون ذات يوم ليكتشفوا أن وجه لبنان الذي عرفوه قد تغير، وأن القرارات التي سترسم مستقبل أجيالهم قد اتُّخذت خلف أبواب مغلقة بعيداً عن إرادتهم.
عندها لن يكون الحديث عن رابح أو خاسر داخل السلطة، بل عن وطن بأكمله يقف عند مفترق تاريخي قد يحدد مصيره لعقود طويلة.