خالد رويحة : كيف تحولت أمة “لبيك اللهم لبيك” إلى أمة تُطبع مع قاتل أطفالها؟؟!!

حين يقف الحجاج على عرفة.. وتقف غزة وحدها تحت النار: كيف تحولت أمة “لبيك اللهم لبيك” إلى أمة تُطبع مع قاتل أطفالها بينما اليمن ولبنان وإيران يدفعون ثمن المواجهة نيابة عن الجميع؟
خالد رويحة | 𝒦𝒽𝒶𝓁𝒾𝒹 𝑅𝑜𝓊𝒾𝒽𝒶
في يوم عرفة تتجرد الأرواح من ضجيج الدنيا..
تسقط الألقاب والمناصب والحدود..
يقف الملايين بثياب بيضاء فوق أرض واحدة وكأن البشرية تعود للحظة الأولى قبل أن تفسدها السياسة والطمع والخيانة..
هنا لا فرق بين غني وفقير..
ولا بين حاكم ومحكوم..
ولا بين عربي وأعجمي..
الكل يرفع يديه نحو السماء مردداً: “لبيك اللهم لبيك”..
لكن بينما ترتفع أصوات التلبية فوق جبل عرفة..
ترتفع في غزة أصوات أخرى..
صوت أم تبحث عن طفلها بين الركام..
صوت أب يحمل أشلاء ابنه في كيس أبيض وهو يردد: “الحمد لله”.
صوت الجوع..
وصوت الحصار..
وصوت مدينة كاملة تُذبح أمام العالم منذ شهور بينما قادة العرب يتبادلون الابتسامات مع القتلة أمام الكاميرات..
أي مفارقة هذه؟
أمة تصرخ “لبيك اللهم لبيك” ثم تصمت حين يُقصف الأقصى..
تبكي في الدعاء.. لكنها لا تغضب حين تُباد غزة..
ترفع أكفها في عرفات.. بينما بعض حكامها يرفعون كؤوس التطبيع مع من يحرق أطفال فلسطين..
في يوم عرفة يشعر المسلم الحقيقي أن شيئاً عظيماً انكسر داخل هذه الأمة..
ليس بسبب ضعف السلاح فقط..
بل بسبب موت الكرامة عند البعض..
غزة اليوم ليست مجرد مدينة محاصرة..
غزة أصبحت مرآة تكشف الوجوه الحقيقية للجميع..
كشفت من يقف مع الأمة..
ومن يقف مع المحتل..
ومن يبيع دماء الأطفال مقابل حماية أمريكية أو صفقة اقتصادية أو صورة تذكارية مع مجرم حرب..
وفي لبنان..
الجنوب الذي ينام على صوت الطائرات ويستيقظ على رائحة البارود ما زال يدفع ثمن موقفه..
قرى كاملة تعيش بين التهديد والقصف لأن هناك من رفض أن يركع للاحتلال..
هناك رجال اختاروا المواجهة بينما اختار آخرون الفنادق والمؤتمرات وموائد التطبيع..
وفي اليمن..
هذا البلد الذي أرادوا له أن يموت جوعاً وحصاراً..
ما زال يخرج من بين الدخان رافعاً صوته مع فلسطين..
شعبٌ تعب من الحرب لكنه لم يتعب من الكرامة..
يريدون منه أن يصمت مقابل رغيف خبز.. لكنه اختار أن يبقى واقفاً ولو فوق الجراح..
أما إيران..
فهي اليوم ليست مجرد دولة داخل صراع سياسي كما يحاول الإعلام الغربي تصويرها..
بل أصبحت عقدة المشروع الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة..
كل هذا الحشد العسكري والحصار والتهديدات لأن طهران رفضت أن تتحول إلى نسخة أخرى من الأنظمة المطبعة الخاضعة للإملاءات الأمريكية..
ولهذا يحاولون شيطنتها ليل نهار..
لأن وجود دولة تقول “لا” في وجه واشنطن وتل أبيب يربك كل المشروع الذي يريد شرق أوسط خانعاً مطبعاً منزوع الإرادة..
وفي المقابل..
هناك من فتحوا أبوابهم للاحتلال ثم خرجوا يحدثون الناس عن السلام والازدهار..
أي سلام هذا الذي يُبنى فوق جماجم أطفال غزة؟
وأي ازدهار هذا الذي يمر فوق دماء الفلسطينيين؟
التطبيع لم يكن يوماً مشروع سلام..
كان مشروع إذلال..
ومحاولة لإقناع الأمة أن القاتل يمكن أن يصبح صديقاً إذا امتلك المال والإعلام والعلاقات الدولية..
لكن يوم عرفة يفضح كل شيء..
يفضح الذين يرفعون المصاحف في العلن ثم يوقعون الاتفاقيات السرية في الليل..
يفضح الذين يبكون في المساجد ثم يرسلون النفط والأموال لحماية الاحتلال..
يفضح الذين يتحدثون عن الأمة بينما هم أول من طعنها في ظهرها..
في يوم عرفة يعود السؤال الكبير ليطارد المسلمين:
كيف وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها المقاوم إرهابياً.. والمطبع رجل سلام؟
كيف صار من يدافع عن فلسطين محاصراً.. بينما يُستقبل قتلة الأطفال بالسجاد الأحمر؟
ومع ذلك..
رغم كل هذا السواد..
ما زالت هذه الأمة تملك شيئاً يخيفهم أكثر من الصواريخ والطائرات..
الإيمان..
الإيمان الذي يجعل طفلاً في غزة يبتسم رغم الجوع..
ويجعل مقاوماً في جنوب لبنان يقف أمام الدبابة بلا خوف..
ويجعل يمنياً محاصراً يرفع علم فلسطين فوق ركام بيته..
ويجعل ملايين الحجاج يبكون فوق عرفة وكأنهم يحملون همّ أمة كاملة بين أيديهم..
في يوم عرفة لا تدعُ لنفسك فقط..
ادعُ لغزة التي تنزف وحدها..
وللبنان الذي يقف على حافة النار..
ولليمن الذي يدفع ثمن موقفه..
ولإيران التي تواجه حصار العالم لأنها رفضت الانكسار..
وادعُ أن يفضح الله كل مطبع باع الأمة مقابل كرسي أو مال أو خوف..
فرب السماء يرى كل شيء..
ويرى من خان..
ومن صمت..
ومن قاوم..
ومن بقي واقفاً حين ركع الجميع..