متى تصحون؟ أن الكراهية اصبحت دستوركم غير المعلن

بين الخوف والكره… كيف أُخذ لبنان رهينة؟

د. ليون سيوفي

باحث وكاتب سياسي

ليس أخطر على الأوطان من عدوٍّ خارجي… إلا حين يسكن العدو في داخلها، في العقول قبل الحدود، في النفوس قبل الجغرافيا. ما نشهده اليوم ليس خلافاً مذهبياً عابراً، بل بنية سياسية كاملة قائمة على الكراهية، تُدار وتُغذّى وتُستثمر.

هنا، يُتَّهَم السُّنّي بأنّه “داعشي”. وهناك، يُوصَم الشيعي بأنّه “صفوي”. وبينهما، يُستَخدم المسيحي شماعةً حيناً وخصماً حيناً آخر. سوقٌ مفتوحة للاتهامات، وبضاعةٌ واحدة: الحقد.

لكن دعونا نكون صريحين حدّ الصدمة، هذا الحقد لم يعد انحرافاً… بل أصبح أداة حكم.

من يُغذّي هذا الانقسام؟

ليس رجل الدين البسيط، ولا المواطن المُتعب الذي يريد أن يعيش.

إنها منظومة كاملة تعرف تماماً أن بقاءها مرهون ببقاء الخوف بين الناس.

كلما اقترب الناس من بعضهم، اقترب سقوطها.

وكلما تباعدوا، ترسّخت.

لقد نجحوا في أخطر ما يمكن أن ينجح فيه أي نظام فاشل:

تحويل الاختلاف إلى تهديد، والتنوّع إلى خطر، والدين إلى خندق.

والأخطر من ذلك؟

أن الناس بدأوا يظنون أن هذا هو “الطبيعي”.

هل حقاً هذه هي الرسالات التي نزلت على الأرض؟

هل جاء محمد بن عبد الله ليُصنَّف الناس طوائف متقاتلة؟

وهل دعا يسوع المسيح إلى أن تتحوّل المحبة إلى خطوط تماس؟

الحقيقة التي لا يريد أحد قولها، الدين بريء… والسياسة متهمة.

لكن السياسة هنا ليست تلك التي تُبنى على إدارة الدولة، بل تلك التي تُبنى على إدارة الكراهية.

سياسة لا تعيش إلا إذا خاف الناس من بعضهم، ولا تحكم إلا إذا شكّك كل طرف في إنسانية الآخر.

وسائل التواصل؟ ليست سوى مرآة مشوّهة.

هي لا تنقل المجتمع… بل تضخّم أسوأ ما فيه.

تجعل الصوت الأعلى هو الأكثر غضباً، والصوت العاقل يبدو كأنه استثناء.

فتظن أن الجميع يكرهون الجميع، بينما الحقيقة أن الكارهين فقط… هم الأعلى صوتاً.

لكن لنكن أكثر قسوة في المواجهة، المشكلة لم تعد في السياسيين وحدهم…

بل في قبول الناس أن يُداروا بهذه الطريقة.

حين تضحك على نكتة طائفية… أنت تساهم.

حين تعمّم حكماً على طائفة كاملة… أنت تساهم.

حين تبرّر الكراهية باسم “رد الفعل”… أنت تساهم.

الكراهية لم تعد تُفرض فقط… بل تُمارَس يومياً.

لكن الحقيقة الأكثر إيلاماً… أنّ الكراهية لم تعد محصورة بين الطوائف فقط، بل تمدّدت داخل الطائفة الواحدة نفسها.

فلم يعد الصراع سنّيًا – شيعيًا – مسيحيًا – درزيًا فحسب…

بل أصبح داخل كل مكوّن، بين من ينتمي إلى هذا الخط السياسي أو ذاك.

ترى السُّنّي يُقصي السُّنّي، والشيعي يُخوِّن الشيعي، والمسيحي يُحارب المسيحي… لا لشيء، إلا لأنّهم لا ينتمون إلى نفس الاصطفاف السياسي.

وهنا تكمن الكارثة الحقيقية حين تتحوّل السياسة من وسيلة لإدارة الاختلاف… إلى أداة لإلغاء الآخر، حتى لو كان “منك”.

لم يعد الانتماء الديني كافياً لتجنّب الكراهية، بل أصبح الولاء السياسي هو معيار القبول أو الرفض.

وهذا يعني شيئاً واحداً, أن الأزمة لم تعد أزمة طوائف… بل أزمة وعي.

حين يصل المجتمع إلى مرحلة يكره فيها الإنسان من يشبهه، فقط لأنه لا يفكّر مثله…

فالمشكلة لم تعد في النظام وحده، بل في البنية الذهنية التي سمحت له أن يستمر.

فمتى تصحون؟

متى تدركون أن هذا المسار لا يقود إلا إلى شيء واحد:

تفكك المجتمعات من الداخل، قبل أن يسقط أي عدو من الخارج.

متى تفهمون أن الطوائف لم تُخلق لتتحارب، بل لتتعارف… ثم قرر الساسة أن يجعلوها تتقاتل؟

متى تخرجون من هذه الدوّامة التي لا رابح فيها؟

لنكن واضحين… لا يمكن بناء دولة على كراهية.

ولا يمكن حماية وطن بشعب يخاف من نفسه.

ولا يمكن لأي مشروع إنقاذ أن ينجح إذا بقيت الطائفة أعلى من الإنسان.

المعادلة بسيطة لكنها مؤلمة، إمّا أن تنتصروا لإنسانيتكم…

أو ستبقون أدوات في لعبة أكبر منكم.

وفي النهاية، لن يسأل التاريخ من كان سنياً أو شيعياً أو مسيحياً…

بل سيسأل سؤالاً واحداً، لماذا اخترتم الكراهية… حين كان بإمكانكم أن تختاروا الوطن؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى