على خليل؛ : التاريخ لا يرحم المتفرجين… والسؤال الآن: من يملك الشجاعة ليمنع الجولة التالية؟

حين يتحول الأطفال إلى أرقام في نشرات الأخبار، وحين تُختصر وجوه التلاميذ في عناوين عاجلة، نكون قد دخلنا مرحلة الخطر الأخلاقي قبل السياسي.

الصور القادمة من ايران — مدارس مدمرة، صفوف تحولت إلى ركام، حقائب صغيرة مغطاة بالغبار مئات القتلي من الأطفال المدنيين — ليست مجرد مشاهد حرب، بل شهادة على انهيار ميزان الردع الإنساني في ٩:صراع يتسع ولا ينكمش.

في المقابل تؤكد إسرائيل أن عملياتها تستهدف بنى عسكرية وتحمّل خصومها مسؤولية التمركز داخل مناطق مدنية، بينما تتصاعد اتهامات حقوقية ودولية باستهداف المدنيين وارتفاع أعداد الضحايا، خصوصًا من الأطفال.

وبين الروايتين، يبقى الدم حقيقة لا تقبل الجدل.

التاريخ العربي لا ينسى.

من قصف مدرسة بحر البقر في مصر عام 1970، حيث سقط عشرات التلاميذ ضحايا غارة جوية، إلى المشاهد المتكررة في غزة اليوم، ظل استهداف المؤسسات المدنية — وخاصة التعليمية — جرحًا مفتوحًا في الوعي الجمعي.

وفي العراق أيضًا، دفعت المدارس والمستشفيات ثمن الحروب المتعاقبة، سواء خلال الغزو أو في سنوات الفوضى التي تلته.

إن إعداد الضحايا البشرية، خاصة التلاميذ، لا يمكن التعامل معه بوصفه “أضرارًا جانبية”.

القانون الدولي الإنساني واضح في حماية المدنيين، والمدارس ليست أهدافًا عسكرية. وأي انتهاك لهذا المبدأ، أيًا كانت مبرراته، يستدعي تحقيقًا مستقلًا ومساءلة شفافة.

اليوم، ومع اتساع نطاق المواجهة وتداخل الأدوار الدولية، تتعالى دعوات لإدانة إنسانية واضحة لكل اعتداء يستهدف المدنيين، أياً كان الفاعل. فالتحالفات السياسية لا تعفي أحدًا من المسؤولية الأخلاقية. والحديث عن دعم عسكري أو سياسي لا يمكن أن يكون غطاءً لتجاهل معاناة الأبرياء.

واللافت في المشهد أن بعض دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية سارعت إلى إدانة الضربات الإيرانية التي جاءت — وفق الرواية الإيرانية — ردًا على عمليات أمريكية وإسرائيلية، رغم أن جزءًا من البنية العسكرية المستخدمة في تلك العمليات ينطلق من قواعد موجودة على أراضي هذه الدول أو في محيطها البحري. هذا التناقض يفتح بابًا واسعًا للتساؤل السياسي: كيف يمكن رفض رد الفعل دون مراجعة أسباب الفعل ذاته؟ وفي الوقت نفسه، ترى هذه الدول أن حماية أمنها القومي واستقرارها الداخلي أولوية مطلقة، وأن أي تصعيد إيراني — حتى لو كان ردًا — يعرّض منشآتها الحيوية وممرات الطاقة للخطر المباشر. وبين منطق السيادة ومنطق الاصطفاف، تتجلى أزمة التوازن الصعبة التي يعيشها الخليج اليوم؛ فهو لا يريد أن يكون ساحة حرب، لكنه في قلب شبكة تحالفات عسكرية تجعله جزءًا من معادلة الردع والرد المضاد.

المسألة لم تعد صراع نفوذ فقط، بل اختبارًا لضمير العالم.

هل تبقى الإدانات بيانات بروتوكولية؟

أم تتحول إلى ضغط حقيقي لوقف النار، وفرض حماية فورية للمدنيين، وضمان وصول المساعدات دون عوائق؟

العالم يقف عند مفترق طرق.

إما أن ينتصر منطق القانون والإنسان،

أو تستمر دوامة الانتقام المتبادل، ويتحول الشرق الأوسط إلى ساحة مفتوحة لجولات لا تنتهي.

التاريخ لا يرحم المتفرجين.

والسؤال الآن: من يملك الشجاعة — سياسيًا وأخلاقيًا — ليوقف النزيف، قبل أن تكتب الأجيال القادمة أن العالم رأى… وصمت

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى