جعفر العلوجي : حين يشبهك خصمك ولا ينتمي اليك

في التراث الصيني تروى حكاية ذئب علم صغيره أن الأخطار ليست دائما واضحة الملامح، أشار إلى الأغنام بوصفها فريسة سهلة، وحذر من عصا الراعي، لكن الدرس الأهم كان عند ظهور الكلب الذي يشبه الذئاب في الشكل، لكنه يقف مع الأغنام ويحرسها حين قال الصغير : هذا يشبهنا، جاءه جواب الأب : اهرب ممن يشبهك ولا ينتمي إليك، فهؤلاء هم أصل المتاعب .
هذه الحكمة القديمة ليست بعيدة عما نعيشه اليوم، فالمشهد السياسي في منطقتنا، وفي بلدنا العراق تحديدا، لم يعد محكوما بصراع واضح بين خصوم تقليديين، بل أصبح مليئا بالوجوه التي تبدو من الداخل، وتتكلم بلسان أبناء البلد، لكنها تسير بخطاب أو قرارات أو تسريبات لا تخدم إلا خصوم الوطن، أخطر الأزمات السياسية التي واجهناها في السنوات الماضية لم تأتِ من خارج الحدود، بل من شخصيات “محسوبة” على الداخل، ترفع شعارات الوطنية نهارا وتوجه طعناتها للبلد ومؤسساته ليلا .
لقد أصبح المشهد أكثر تعقيدا حين صار التشابه شكليا والانتماء مصلحيا، نشهد سياسيين يظهرون كمدافعين عن المصلحة العامة، لكن أوراقهم ورسائلهم وتحالفاتهم تكشف أنهم أقرب إلى دور “كلب الحراسة” الذي يشبه الذئاب شكلا، لكنه يقف في الاتجاه المعاكس تماما، هؤلاء هم الذين يعطلون التوافق، يخلقون الضباب، ويرفعون الملفات إلى الخارج للضغط على الداخل، وكأن البلد ساحة تجارب وليست وطنا له كرامة وسيادة .
السياسة اليوم تحتاج إلى وعي الذئب الأب، أن نرى خلف الكلمات وأن ندرك أن الخطر الحقيقي لا يأتي من الخصوم المعلنين، بل من أولئك الذين يتقدمون بخطاب مطمئن بينما يسحبون البساط من تحت استقرار البلد ليس كل من يرفع شعارا وطنيا ينتمي للوطن فعلا، وليس كل من يلبس ثوب الإصلاح يعمل له، التجارب علمتنا أن الذين يشبهوننا شكلا ويخالفوننا انتماء هم الأكثر قدرة على الإيذاء، لأنهم يعرفون أين يوجهون ضرباتهم وكيف يستغلون ثغرات الثقة .
وبينما يواصل البلد مسيرته لبناء دولة قوية، يصبح الغربال السياسي ضرورة، والتدقيق في النوايا قبل التصفيق للشعارات واجبا، فمن يشبهك ليس شرطا أن يكون معك، ومن يقف معك حقا لن يرسل رسالة تضعفك، ولن يختار طرقا ملتوية تعرقل مشروع الدولة، حتى لو كانت مغرية أو مربحة .
إن المرحلة الراهنة تحتم علينا ألا ننخدع بالشبه، وأن نعرف تماما من ينتمي للبلد، ومن ينتمي لمصالحه فقط، فالتاريخ علمنا دائما أن المعارك الحاسمة لا يحسمها الخارج، بل الداخل … تحديدا أولئك الذين يشبهونك ولا ينتمون إليك .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى