
“3 جبهات تتغير في وقت واحد… من يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط؟”
ملف خاص – عرب تليجراف

تحقيق: علي خليل |
منذ مطلع أكتوبر الماضي، بدأت تتحرك 3 ملفات عربية كبرى — السودان، ليبيا، وسوريا — في مسارات متزامنة تشي بأن المنطقة تدخل مرحلة “إعادة الترتيب الهادئ”. هذه التحركات ليست بيانات رسمية أو تصريحات بروتوكولية؛ بل هي محادثات خلف الأبواب المغلقة، وترتيبات أمنية، واتصالات دبلوماسية تجري بصمت كامل.
تحقيق عرب تليجراف يحاول فكّ خيوط هذا المشهد عبر مسارات متداخلة، بعضها في الخليج، وبعضها بين القاهرة وأنقرة، وثالث بين عواصم أوروبية ودمشق بوساطة عربية.
والسؤال المركزي:
من يعيد رسم توازنات الشرق الأوسط… وكيف ستبدو الخريطة الجديدة؟
أولاً: السودان… معركة “الترتيب النهائي” قبل إعادة البناء
1- اتصالات خليجية لإعادة هندسة السلطة
مصادر عربية مطلعة تحدثت لـ عرب تليجراف عن “تحرك خليجي منسّق” يهدف إلى إعادة ترتيب المشهد السوداني عبر صياغة إطار سياسي جديد للمرحلة الانتقالية.
الهدف المعلن: إعادة الاستقرار ومنع تمدد الصراع نحو البحر الأحمر.
الهدف غير المعلن: إبعاد حميدتي نهائيًا عن مستقبل الدولة، وخلق شكل حكم قادر على ضبط الأمن.
هذه الاتصالات — التي تتم عبر عواصم خليجية كبرى — تزامنت مع زيارة وفود سودانية محسوبة على المؤسسة العسكرية إلى منطقتين عربيتين بحثًا عن ضمانات مستقبلية.
2- لماذا الآن؟
هناك 3 دوافع أساسية:
-
القلق الخليجي من تمدد الميليشيات نحو ساحل البحر الأحمر.
-
تفكك الهياكل الاقتصادية السودانية وتأثيره على الاستثمارات الخليجية القائمة.
-
رفض دول عربية استمرار “الدور المزدوج” لبعض القوى الداعمة لحميدتي.
3- الخطوط العامة للصفقة المقترحة
وفق المعلومات المتوفرة لـ عرب تليجراف، الخطة الجديدة تتضمن:
-
تشكيل مجلس سيادي محايد
-
انتقال سياسي مدته 18–24 شهرًا
-
دعم عربي لإعادة الإعمار مقابل ضبط الأمن الداخلي
-
منع أي قوات موازية خارج المؤسسة العسكرية
الخطير في الأمر:
هناك أطراف إقليمية لا يعجبها هذا المسار… وتعمل على تعطيله.
ثانياً: ليبيا… تفاهم مصري–تركي يعيد توزيع أوراق النفوذ
1- تحول صامت بدأ قبل أسابيع
على مدار عام كامل، كان الملف الليبي ساحة صراع بارد بين القاهرة وأنقرة.
لكن خلال الأسابيع الأخيرة، ظهرت مؤشرات مختلفة تمامًا:
-
اتصالات رفيعة المستوى
-
لجان أمنية مشتركة
-
مسودات تفاهم حول “مناطق النفوذ”
-
تصور جديد لتوحيد المؤسسات الليبية
هذا التحول — وفق مصادر خاصة — جاء نتيجة إدراك الطرفين أن استمرار الفوضى سيؤدي إلى انفجار جديد في حدود ليبيا الشرقية والغربية.
2- ملامح التفاهم
الوثيقة التي اطلعت عليها عرب تليجراف (من مصدر مشارك في المحادثات) تتضمن:
-
انسحاب تدريجي لمجموعات مسلحة محسوبة على الطرفين
-
بدء مشاورات حول صيغة “جيش موحد”
-
تفاهم اقتصادي حول موانئ النفط
-
تخفيف التوتر حول شرق المتوسط
هناك توافق على أن الوقت مناسب لـ “تجميد التنافس” وتحويله إلى إدارة مشتركة للأزمة بدلًا من التصادم.
3- لماذا توافق تركيا ومصر الآن؟
-
مخاوف مشتركة من انفجار مسلح جديد في طرابلس.
-
تغير موقف أوروبا تجاه ليبيا، حيث بدأت بعض الدول تتحدث عن “دور مصري–تركي ضروري” لضبط الحدود.
-
ملف الغاز في المتوسط الذي لم يعد يحتمل نزاعات جديدة.
ثالثًا: سوريا… قناة أوروبية – عربية لن تكون علنية
1- الوجه الخفي للمفاوضات
أوروبا — تحت ضغط ملف اللاجئين والطاقة — بدأت تبحث عن عودة مقيدة للتواصل مع دمشق.
ليست عودة سياسية كاملة، بل “اتصال مشروط” لتحقيق 3 أهداف:
-
دعم استقرار الحدود
-
خفض تدفق اللاجئين
-
ضمانات أمنية حول بعض المعابر
تجري هذه المحادثات في ثلاث عواصم عربية، وفق دبلوماسيين تحدثوا لـ عرب تليجراف.
2- لماذا الوساطة العربية؟
لأن أوروبا لا تملك مساحة مناورة مباشرة مع الحكومة السورية.
الدول الوسيطة المقترحة:
-
الإمارات
-
مصر
-
سلطنة عُمان
هذه الدول لديها علاقات بدرجات متفاوتة مع دمشق، وتستطيع تمرير رسائل أوروبية “تحت الطاولة”.
3- الشروط الأوروبية
-
لا أموال إعادة إعمار الآن
-
خطوة مقابل خطوة
-
تعاون في ملف أمن الحدود
-
آلية عربية للمتابعة
4- ماذا تريد دمشق؟
-
تخفيف العقوبات الاقتصادية
-
ضبط خطوط الطاقة داخل سوريا
-
فتح قنوات رسمية تدريجية
-
عودة شركات كبرى للعمل
المشهد معقد… لكنه يتحرك.
كيف ترتبط الملفات الثلاثة ببعضها؟
1- إعادة تشكيل توازنات جديدة
ما يجري في السودان وليبيا وسوريا ليس منفصلًا؛ بل هو جزء من إعادة رسم نفوذ عربي في مقابل تدخلات خارجية.
هناك اتجاه واضح نحو:
-
تقليل نفوذ الميليشيات
-
تعزيز دور الدول
-
خلق توازنات أمنية مشتركة
-
الدفع نحو “استقرار مُدار” وليس “استقرار فعلي”
2- تراجع “الحروب الصغيرة” وصعود “الصفقات الكبيرة”
المنطقة لم تعد تتعامل بمنطق ميليشيا × ميليشيا، أو دولة × فصيل؛
بل بمنطق كتل إقليمية.
3- ملفات الطاقة والحدود
من البحر الأحمر، إلى المتوسط، إلى الشمال السوري — الخيط المشترك هو ضبط الممرات الحيوية.
ما نراه الآن هو موجة جديدة من “الهندسة السياسية” في المنطقة، لكنها تختلف عن موجات سابقة:
-
أقل ضجيجًا
-
أكثر واقعية
-
تعتمد على التفاهمات وليس الانقلابات
-
تقودها دول عربية كبرى وليس أطراف خارجية فقط
السؤال الذي سيبقى مفتوحًا للقراء وصناع القرار:
هل نحن أمام لحظة استقرار حقيقي… أم مجرد ترتيب مؤقت قبل عاصفة جديدة؟
**عرب تليجراف تتابع.