انفراد: السودان على مفترق طرق جديد : خريطة النفوذ الإقليمي تتغير…

وصراع المصالح يهدد بتفكيك الدولة وتدويل الأزمة

القاهرة – العرب تليجراف – إعداد: علي خليل

يشهد السودان واحدة من أعقد المراحل في تاريخه الحديث، حيث لم تعد الحرب الدائرة بين الجيش وقوات الدعم السريع مجرّد نزاع داخلي، بل تحوّلت إلى حرب بالوكالة تُدار فوق الأرض السودانية، تتشابك فيها مصالح قوى إقليمية ودولية تسعى لترسيخ نفوذها في قلب القارة.

على خليل

= دارفور.. بؤرة الصراع ومفتاح النفوذ

منذ اشتداد المعارك في الفاشر ونيالا وزالنجي، بات واضحًا أن دارفور أصبحت ميدان اختبارٍ لتوازنات جديدة.
القوى الخارجية لا تقف على الحياد: الأسلحة تتدفّق من منافذ متعددة، والدعم اللوجستي والاستخباراتي يتحرك خلف الستار.

تقارير ميدانية كشفت أن بعض الدول تُغذّي أطراف الصراع بشكل غير مباشر، بينما تُطلق في العلن دعوات “السلام والاستقرار”، في مشهدٍ يجمع بين البراغماتية والازدواجية السياسية.


= الإمارات والكيان.. البعد الخفي في تمويل الصراع

مصادر دبلوماسية رفيعة تحدثت لـ«العرب تليجراف» عن دور إماراتي متزايد في الملف السوداني، عبر قنوات مالية وأمنية تركّز على دعم مجموعات محلية تحت ذريعة “حماية المصالح الإنسانية والتجارية”.
لكن خلف هذه الشعارات، تتحرك مصالح اقتصادية ضخمة في مجالي الذهب والموانئ والطرق اللوجستية التي تربط البحر الأحمر بعمق القارة الأفريقية.

أما الكيان الإسرائيلي، فيتابع المشهد من زاوية أخرى: يسعى لترسيخ وجوده الاستخباراتي والدبلوماسي عبر بوابة التطبيع التي بدأت منذ عهد البشير واستُكملت بعد سقوطه.
ويرى مراقبون أن تل أبيب تعتبر السودان بوابة استراتيجية إلى القرن الأفريقي، حيث يمكنها مراقبة التحركات الإيرانية والروسية في الموانئ الحيوية.


= مصر… بين واجب الجوار وحسابات الأمن القومي

موقف القاهرة يظلّ الأكثر وضوحًا واتزانًا، فهي تنظر إلى السودان باعتباره عمقًا استراتيجيًا لا يمكن التفريط فيه.
تحركات مصر تأتي على محورين:

  1. دبلوماسي عبر تنسيق دائم مع السعودية والاتحاد الأفريقي لإطلاق مسار سياسي متوازن.

  2. أمني واستراتيجي يهدف إلى منع أي فراغ في الحدود الجنوبية، أو تمدّد الميليشيات نحو وادي النيل.

مصر تدرك أن سقوط الدولة السودانية أو تقسيمها سيخلق خطرًا مباشرًا على أمنها المائي والحدودي، ولهذا تفضّل تسوية تحفظ مؤسسات الدولة وتُبقي الجيش السوداني طرفًا أساسيًا في أي اتفاق.


= تركيا… عودة الطموح العثماني

في المقابل، تسعى أنقرة إلى استعادة نفوذها التاريخي في البحر الأحمر، من خلال اتفاقيات لوجستية واستثمارية في ميناء سواكن وغيره من المشاريع المتعثّرة منذ 2019.
تركيا تتابع تطورات السودان كجزء من إستراتيجيتها لإحياء شبكة النفوذ بين شرق أفريقيا والخليج، مدفوعةً برؤية تجمع بين الاقتصاد والسيطرة البحرية، وهو ما يثير حساسية القاهرة والرياض على السواء.


= السعودية… الدور الهادئ في الوساطة

على الرغم من ابتعادها النسبي عن الأضواء، إلا أن الرياض ما زالت تمسك بخيوط مهمة في الملف السوداني، من خلال منصة جدة التي رعتها بالتعاون مع واشنطن.
السعودية تتحرك ببطء ولكن بثبات، ساعية لتأمين البحر الأحمر ومنع تحوّله إلى منطقة فوضى تهدّد ممرّات الطاقة والتجارة العالمية.
وهي تدرك أن أي فراغ أمني في السودان سيمنح قوى غير عربية فرصة السيطرة على الشاطئ الغربي للبحر الأحمر، ما يمسّ مباشرة أمنها القومي.


= إثيوبيا… أطماع الماء والحدود

أما إثيوبيا، فتتعامل مع الأزمة ببراغماتية شديدة.
رغم التوتر الحدودي مع الخرطوم، إلا أن أديس أبابا ترى في إضعاف الدولة السودانية فرصة لتخفيف الضغوط في ملف سد النهضة، وإعادة رسم حدود النفوذ في منطقة الفشقة.
كما تحاول استغلال انشغال السودان بأزماته الداخلية لإرساء معادلة جديدة في علاقاتها مع مصر والاتحاد الأفريقي.


= السودان بين المطرقة والسندان

في ظل هذه التشابكات، أصبح السودان ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الجيوسياسية.
الذهب والبحر الأحمر والموقع الجغرافي هي جوائز الصراع الكبرى، بينما يدفع الشعب السوداني الثمن الأكبر من دمه واستقراره.

ورغم كل هذا، ما زالت هناك نافذة أمل تلوح في الأفق، إذا ما نجحت الجهود العربية – وعلى رأسها المصرية والسعودية – في فرض هدنة شاملة وإعادة مسار الدولة الوطنية قبل أن تضيع البلاد بين المحاور المتصارعة.


= اخيرا نستطيع ان نقول :

السودان اليوم ليس مجرد أزمة داخلية، بل نقطة ارتكاز في إعادة تشكيل الشرق الأوسط الجديد.
فمن يملك مفاتيح الخرطوم، يملك التأثير على البحر الأحمر، القرن الأفريقي، وطرق التجارة العالمية.
وما بين طموح القوى الكبرى وحسابات الجوار، يقف السودان على خيطٍ رفيع بين الإنقاذ والتقسيم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى