«بيغاسوس» في قلب لندن.. القضاء البريطاني يدين السعودية بانتهاك سيادة القانون واختراق معارض

في حكم يحمل دلالات سياسية وحقوقية بالغة الخطورة، أدانت المحكمة العليا في لندن المملكة العربية السعودية، وحمّلتها المسؤولية المباشرة عن اختراق هاتف المعارض واليوتيوبر السعودي غانم المسارير باستخدام برنامج التجسس «بيغاسوس»، وأمرت بدفع أكثر من 3 ملايين جنيه إسترليني تعويضًا عن انتهاك صارخ للخصوصية، واعتداء منظم على حرية التعبير، وتهديد مباشر لسلامة مواطن يقيم على الأراضي البريطانية.
الحكم، الذي صدر بعد ست سنوات من الملاحقة القضائية، لا يكشف فقط عن جريمة تجسس عابرة للحدود، بل يضع النظام السعودي في مواجهة اتهام ثقيل بتنفيذ عمليات قمع سياسي خارج أراضيه، مستخدمًا أدوات تجسس عسكرية ضد معارض سلمي، في دولة يفترض أنها تحمي سيادة القانون وحرية الرأي.
وبحسب حيثيات المحكمة، لم يقتصر الأمر على اختراق رقمي، بل تزامن مع ملاحقة جسدية واعتداء مدبّر في شوارع لندن، في مشهد يعكس أسلوبًا أقرب إلى ممارسات الأنظمة البوليسية، لا إلى سلوك دولة تدّعي الإصلاح والانفتاح.
وأكد القاضي وجود «أساس قوي للاعتقاد» بأن الاختراق والاعتداء تمّا بتوجيه أو ترخيص رسمي من السعودية، مشيرًا إلى وجود دافع سياسي واضح يتمثل في إسكات صوت ناقد حقق انتشارًا واسعًا عبر منصات التواصل الاجتماعي، من خلال مقاطع ساخرة وجريئة تناولت رأس السلطة في المملكة.
وتكشف القضية الوجه الحقيقي لبرنامج «بيغاسوس»، الذي طوّرته شركة «إن إس أو» الإسرائيلية، ويُسوّق باعتباره أداة لمكافحة الإرهاب، بينما أثبتت التحقيقات استخدامه في التجسس على صحفيين ومعارضين ونشطاء حقوق إنسان حول العالم، في انتهاك فاضح للمواثيق الدولية.
ورغم محاولة السعودية الاحتماء بقانون حصانة الدول، أسقط القضاء البريطاني هذا الادعاء، في خطوة قانونية تُعد سابقة مهمة، تؤكد أن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان لا تحميها الحصانات السيادية، وأن الملاحقة القضائية ممكنة حتى ضد الدول.
ورغم صدور الحكم، امتنعت السعودية عن المشاركة في الإجراءات القضائية، وتجاهلت أوامر المحكمة، في سلوك وصفه القاضي بأنه استخفاف واضح بالقضاء البريطاني، ما يثير تساؤلات جدية حول احترام المملكة للقانون الدولي.

ولا يمكن فصل هذه القضية عن سجل أوسع من الملاحقات العابرة للحدود المرتبطة بالسعودية، والذي يتصدره اغتيال الصحفي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول، إلى جانب عشرات التقارير الحقوقية التي وثّقت استخدام برنامج «بيغاسوس» للتجسس على صحفيين ومعارضين ونشطاء، من بينهم شخصيات مرتبطة بملفات دولية حساسة مثل شبكة جيفري إبستين، التي كشفت بدورها عن تداخل خطير بين المال والنفوذ والاستخبارات. هذه الوقائع مجتمعة ترسم نمطًا متكررًا لا يمكن اعتباره حوادث فردية، بل سياسة ممنهجة لإسكات الأصوات الناقدة، تمتد من العواصم العربية إلى قلب أوروبا، مستخفة بالقانون الدولي وبسيادة الدول الأخرى
غانم المسارير، الذي توقّف عن النشر منذ سنوات بسبب الخوف والاكتئاب، قال إن المال لا يعوض ما تعرّض له، مؤكدًا أن القضية تكشف كيف نجح النظام السعودي في إسكات صوت معارض بالقوة والتجسس والترهيب، حتى داخل واحدة من أعرق الديمقراطيات الغربية.
القضية، في جوهرها، ليست تعويضًا ماليًا، بل إدانة سياسية وأخلاقية لنظام يستخدم أدوات التجسس لإخضاع المعارضين، بينما يروّج في الوقت ذاته لمهرجانات فنية وصورة «الانفتاح»، في تناقض صارخ يفضح ازدواجية الخطاب والممارسة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى