
مصر 2025: موازنة التحوّل الحذر… بين خفض الدين وتوسيع قاعدة الدعم
رؤية جديدة للقاهرة اقتصاد محكوم بالأمن القومي،
لا بالأرقام فقط.
تحليل خاص – عرب تليجراف – بقلم : علي خليل
في خطوةٍ تُعدّ من أكثر الملفات حساسية في المشهدين السياسي والاقتصادي، أعلنت الحكومة المصرية إقرار مشروع موازنة العام المالي 2025/2026 بإجمالي يُقدَّر بنحو 4.6 تريليون جنيه مصري (91 مليار دولار)، في وقتٍ تتشابك فيه التحديات الداخلية مع ضغوط إقليمية ودولية غير مسبوقة.
القرار، الذي جاء بعد اجتماعات مكثفة بين رئاسة الوزراء ووزارة المالية، يُشير إلى تحوّل نوعي في فلسفة إدارة المال العام، حيث تركز الموازنة الجديدة على هدفين متوازيين:
-
خفض الدين العام إلى أقل من 83٪ من الناتج المحلي الإجمالي،
-
وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية ودعم السلع الأساسية.
1. موازنة سياسية قبل أن تكون اقتصادية
يرى خبراء الاقتصاد أن الموازنة الجديدة تحمل أبعادًا سياسية بامتياز، إذ تأتي في لحظةٍ تحتاج فيها الدولة إلى استعادة الثقة الشعبية في ظل موجات تضخم وتراجع في القوة الشرائية.
التركيز الواضح على الدعم – الذي تجاوز 732 مليار جنيه – يعكس رغبة الحكومة في إرسال رسالة طمأنة للشارع المصري مفادها أن الاستقرار الاجتماعي لا يقلّ أهمية عن الإصلاح المالي.
كما أن خفض الدين العام يحمل بعدًا سياسيًا تجاه المؤسسات الدولية، خصوصًا صندوق النقد الدولي، الذي أعلن مؤخرًا الموافقة على صرف 1.2 مليار دولار بعد المراجعة الرابعة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري.
2. معادلة حساسة: النمو في ظل التقشف
المعادلة التي تواجه الحكومة اليوم معقدة:
كيف يمكن تحقيق نمو حقيقي يتجاوز 4٪ في ظل سياسة مالية تميل إلى التقشف؟
الموازنة الجديدة تراهن على توسّع الاستثمارات الخليجية والعربية، خصوصًا بعد تطورات العلاقات المصرية-السعودية، التي تشهد تنسيقًا استراتيجيًا غير مسبوق في مشاريع البنية التحتية والطاقة.
كما أن تركيز الدولة على دعم قطاعات الزراعة والصناعة المحلية يهدف إلى تخفيف الضغط على العملة الأجنبية، وتثبيت الجنيه في مواجهة التحديات العالمية.
3. رسائل داخلية وخارجية
-
داخليًا: تسعى الحكومة إلى ترسيخ صورة “الدولة القادرة على التكيّف” رغم الأزمات.
-
خارجيًا: تُرسل القاهرة إشارة إلى شركائها بأن الإصلاح الاقتصادي مستمر، لكن وفق إيقاع مصري لا يُملى من الخارج.
كما أن الالتزام بخفض الدين إلى ما دون 83٪ يحمل رمزية كبيرة: فكل نقطة مئوية تمثل نحو 60 مليار جنيه من عبء الفوائد، ما يفتح الباب أمام استثمارٍ أوسع في الخدمات العامة.
4. ما وراء الأرقام
خلف لغة الأرقام، هناك إدراك سياسي بأن الموازنة الجديدة ليست مجرد وثيقة مالية، بل خارطة طريق لعام حاسم في تاريخ الدولة الحديثة.
العام 2025 سيشهد إعادة رسم موازين القوى الاقتصادية في المنطقة — من مشاريع الربط الكهربائي والموانئ إلى التحولات الجيوسياسية في البحر الأحمر — وهو ما يجعل الموازنة انعكاسًا مباشرًا لرؤية الدولة في إدارة مرحلة الانتقال بهدوءٍ محسوب.
قراءة في المشهد القادم
إذا نجحت الحكومة في تحقيق توازنٍ بين ضبط الإنفاق وتوسيع مظلة الدعم،
فإن موازنة 2025/2026 قد تُصبح نقطة تحول في مسار الإصلاح المالي المصري،
أما إذا أخفقت، فسيكون الثمن سياسيًا واجتماعيًا في آن واحد.
لكن المؤكد أن القاهرة اليوم تتحرك وفق رؤية جديدة:
اقتصاد محكوم بالأمن القومي، لا بالأرقام فقط.