د. محمد عبد المنعم صالح يكتب : إستخدامات الطاقة النووية والدول المنتجة لها

يفزع العالم عند سماع تحذيرات القوى العظمى عن إستخدام الأسلحة النووية للتهديد أوالردع، لكن مجالات الطاقة النووية أوسع وإستخداماتها المتعددة أشمل من حصرها في الأسلحة المدمرة. كان إكتشاف النواة الذرية في عام 1911 من قبل إرنست رذرفورد خطوة حاسمة في تطوير الطاقة النووية، وتوالت بعدها الأبحاث حتى جاءت الحرب العالمية الثانية وأشعلت التنافس بين ألمانيا النازية والولايات المتحدة في أبحاث الذرة.وكان لهروب العالم الإيطالي إنريكو فيرمي من الفاشيستية الإيطالية إلي العاصمة الأميركية واشنطن في نهاية ثلاثينيات القرن الماضي، والذي إستطاع بمعاونةعالم الفيزياء الشهير ألبرت أينشتاين إقناع المسئولين بأمريكا بتبني فكرة تفجير كمية من اليورانيوم التي يمكن أن تكون قوتها أكبركثيرا من أي مفجرآخر. وخلال الحرب العالمية الثانية ركزت الأبحاث في البداية على إنتاج القنابل.

، وبعد مشاهدة آثار الدمار الهائل الذي نتج عن ضرب هيروشيما وناجازاكي في اليابان تحول الإهتمام في الخمسينيات إلى الإستخدام السلمي للإنشطارالنووي والتحكم فيه لتوليد الطاقة.بدأت أولى محطات الطاقة النووية التجارية في العمل خلال الخمسينيات، ففي عام 1951 نجح أول مفاعل تجريبي في إنتاج الطاقة الكهربائية في ولاية أيداهو بالولايات المتحدة.وفي عام 1954 قامت روسيا بتوليد الكهرباء من أول مفاعل نووي لديها بقدرة 5 ميجاوات في أوبنينسك، لأغراض تجارية. وتعد الطاقة النووية ثاني أكبر مصدر للطاقة منخفضة الكربون في العالم طبقا للرابطة العالمية للطاقة النوويةويتم إستخدامها في مجالات عدةمثل توليد الكهرباء.وتوفر الطاقة النووية حاليا نحو 10% من كهرباء العالم من حوالي 440 مفاعل  وقد أنتجت 13 دولة في عام 2020 حوالي ربع إحتياجاتها من الطاقة النووية. وتولد فرنسا 70% من الكهرباء بتلك الطاقة، وتحصل أوكرانيا وسلوفاكيا وبلجيكا والمجر على نحو النصف بالطاقة النووية، فيما تحصل إيطاليا والدانمارك على ما يقارب 10% من الكهرباء من الطاقة النووية المستوردة.

الدول المنتجة لها

وقد جاءت الولايات المتحدة في صدارة الدول الأكثر إنتاجا للطاقة النووية في 2020 بحصة إنتاج بلغت 30.9% من إجمالي الطاقة النووية المنتجة عالميا.وجاءت الصين في المركز الثاني بحصة بلغت 13.5% من إجمالي ما ينتجه العالم، وتستثمر بكين بشكل كبير في الطاقة النووية في محاولة لتحقيق أهدافها المناخية، وتخطط الدولة لبناء 150 مفاعلا نوويا جديدا بحلول عام 2035 قد تصل تكلفتها إلى 440 مليار دولار. كما تنتج فرنسا نحو 13% من الطاقة النووية، تليها روسيا بـ7.9%، وكوريا الجنوبية 6%، ثم كندا 3.6%، فأوكرانيا 2.8% وألمانيا 2.4% فإسبانيا 2.2%، ثم السويد 1.9%.

وبينما تتصدر الولايات المتحدة الدول المنتجة للطاقة النووية في 2020 فإنها تحتل المركز الـ17 من حيث الحصة التي تمثلها الطاقة النووية في توليد الكهرباء بالبلاد، فيما تأتي فرنسا في صدارة الدول التي تعتمد على الطاقة النووية في توليد الكهرباء النظيفة. وليست فرنسا وحدها، بل هناك العديد من الدول الأوروبية التي تسبق الولايات المتحدة في القائمة، ويرجع ذلك إلى حجم الدول وعدد سكانها، فالدول الأوروبية أصغر بكثير وتنتج كهرباء أقل من الدول الأكبر حجما، مثل الولايات المتحدة الأمريكية والصين.

وتنتج فرنسا الكهرباء من الطاقة النووية بنسبة 70.6%، وسلوفاكيا 53.1%، وأوكرانيا 51.2%، والمجر 48%، وبلغاريا 40.8%.

المفاعلات النووية

وتتصدر الولايات المتحدة الدول الأكثر إمتلاكا للمفاعلات النووية، حيث تمتلك 92 مفاعلا نوويا ساهمت في إنتاج 19.6% من كهرباء البلاد في 2021.

وتمتلك فرنسا 56 مفاعلا نوويا، ولدى الصين 55 مفاعلا نوويا أنتجت من خلالها 5% من كهرباء البلاد.

أما روسيا فلديها 37 مفاعلا نوويا ساهمت في إنتاج نحو 20% من الكهرباء، وتمتلك اليابان 33 مفاعلا قابلا للتشغيل، كما تمتلك كوريا الجنوبية 25 مفاعلا نوويا ساهمت في إنتاج 28% من كهرباء البلاد، ثم تأتي الهند بـ22 مفاعلا نوويا، فكندا بـ19 مفاعلا، ولدى أوكرانيا 15 مفاعلا نوويا ساهمت في إنتاج 50% من الكهرباء.أما المملكة المتحدة فلديها 11 مفاعلا نوويا قابلا للتشغيل ولّدت منها نحو 15% من إحتياجاتها من الكهرباء، وفي أبريل/نيسان 2022 أعلنت الحكومة البريطانية أنها تخطط لبناء 8 مفاعلات نووية، لضمان الطاقة على المدى الطويل.أما باكستان فلديها 6 مفاعلات نووية ساهمت في نحو 10% من الكهرباء، وتمتلك إيران مفاعلا نوويا رئيسيا واحدا مخصص لأغراض البحث.

وقد بدأت أما تركيا فقد قامت ببناء أول محطة للطاقة النووية في أبريل/نيسان 2018، علي أن يبدأ تشغيلها في 2023.

الطاقة النووية عربيا

 أعلنت الإمارات العربية في أغسطس 2020 عن نجاح تشغيل الوحدة الأولى من محطة براكة للطاقة النووية السلمية، وهي الأولى في العالم العربي. وعند إكتمال تشغيل هذه الوحدة فإن مفاعلات الطاقة الأربعة في المحطة ستؤدي إلى توفير نحو 25% من إحتياجات الإمارات من الكهرباء.

وفي مصر تجري أعمال إنشاء محطة نووية بمدينة الضبعة لتوليد الكهرباء، إذ تم توقيع عقد تنفيذها مع الجانب الروسي وتتضمن 4 مفاعلات نووية، ومن المتوقع أن يتم تشغيل جميع المفاعلات بحلول عام 2030.

أما السعودية فتخطط لبناء مفاعلين لفهم التقنية قبل التوسع فيها، طبقا لتصريحات وزيرالطاقة السعودي التي أدلى بها أن عقود مفاعلات الطاقة النووية التي تعتزم بلاده بناءها ستوقع “قريبا جدا”.

وفي الأردن، أعلن رئيس هيئة الطاقة الذرية عن دراسة بناء مفاعلات نووية صغيرة للمساهمة في توليد الكهرباء بالبلاد.

أما المغرب فلم يكشف رسميا عن مفاعلات نووية، لكن مجلس الوزراء الروسي أعلن في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2022 أن روسيا ستوقع إتفاقية مع المغرب لبناء أول محطة طاقة نووية في المغرب. وكانت وزيرة الطاقة قد صرحت خلال مقابلتها مع منصة الطاقة في 14 سبتمبر 2022 بأن المملكة بصدد تحديث إستراتيجية الطاقة لانتاج الكهرباء من الطاقة النووية خلال السنوات المقبلة.

وتنتج المفاعلات النووية ما يقارب ثلث الكهرباء الخالية من الكربون في العالم (28% من الإجمالي في عام 2019)، وهي ضرورية لتحقيق الأهداف المتعلقة بتغير المناخ.وإجمالا، يتم إنتاج الكهرباء بنسبة 35.2% من الوقود الإحفوري (الفحم)، و23.6% من الغاز، وهما يساهمان في الإحتباس الحراري، و تنتج الكهرباء بنسبة 16.6% من الطاقة المائية عن طريق السدود ، و10% عن طريق الطاقة النووية، و9.4% من مجموع الطاقة الشمسية والرياح والحرارة الجوفية والمد والجزر، ثم النفط بنسبة 2.5%، ومثلها من مصادر أخرى.

إستخدامات سلمية أخرى للطاقة النووية : 

  لا يقتصر إستخدام الطاقة النووية على توليد الكهرباء، بل يمكن إستخدام هذه الطاقة وتقنياتها في عدة مجالات، مثل الزراعة والغذاء والطب وإستكشاف الفضاء وتحلية المياه.وتوفر التقنيات النووية صورا لداخل جسم الإنسان، وتسهم في علاج بعض الأمراض، حيث تمكن الأطباء وفقا للأبحاث النووية من تحديد كمية الإشعاع اللازمة لقتل الخلايا السرطانية دون الإضرار بالخلايا السليمة.وإلى جانب ذلك، يستخدم الأطباء تقنية التصوير بالأشعة السينية التي تعتبر من أهم أجهزة التشخيص الطبية المستخدمة بشكل واسع، وهي تتيح للأطباء فرصة الإطلاع على جسم الإنسان من الداخل.كما يستخدم الإشعاع النووي في الزراعة، حيث تستخدمه عدة دول حول العالم لمنع الحشرات الضارة من التكاثر والتقليل من أعدادها وحماية المحاصيل الزراعية، وتحقيق الآمن الغذائي العالمي بتوفير كميات أكبر من الغذاء للبشرية0

 

الدكتور :  محمد عبد المنعم صالح          

دكتوراه صحة البيئة والميكروبيولوجيا الطبية

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى