صناع القرار فى واشنطن يسعون الى اعادة هيكلة الشرق الاوسط

أطلق مسؤولون أمريكيون مواقف لافتة تكشف عن ملامح خارطة جديدة للشرق الأوسط، يعكف صناع القرار في واشنطن على رسمها وإعادة هيكلة الانظمة في المنطقة.

وقال جول رايبرن، الذي رشحه الرئيس السابق دونالد ترمب لشغل منصب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، إن محور المقاومة الذي تقوده إيران بلغ «أضعف نقطة له منذ عقود»، بعد رحيل نظام بشار الأسد، وشل حركة “حزب الله” في لبنان، حيث ستتحول كل من سوريا ولبنان كمنصات استقرار إقليمي، بالشراكة مع حلفاء واشنطن في الخليج العربي.

وأكّد السيناتور الجمهوري جيم ريش، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، أن على الحكومة العراقية التحرك الفوري لنزع سلاح الفصائل المسلحة المدعومة من إيران، في خطوة يرى فيها مراقبون تحضيراً لعراق جديد خارج نفوذ طهران، يجب ان ينضم مستقبلا الى الحلف السني الامريكي.

وحذّرت السيناتورة الديمقراطية جين شاهين من المماطلة في تأهيل “الشريك الجديد في المحور الأمريكي السني”، في إشارة إلى سوريا ما بعد الأسد، معتبرة أن تأخير هذه العملية قد يفسد معادلة التوازن الجديدة في الشرق الأوسط التي تسعى واشنطن لإرسائها،.

وقال جيمس جيفري أن علاقة أميركا بالشرع قديمة منذ أن كان الجولانى

وتضافرت الدراسات والتقارير الصحفية التي تبين تلك الرؤية الأمريكية، وتعرض تلك الخرائط الجديدة، منها مثلا الورقة التي أعادت مؤسسة جلوبال ريسيرش نشرها في 19/5/2015 تحت عنوان “مخططات إعادة ترسيم الشرق الأوسط: مشروع الشرق الأوسط الجديد”، بعد صدورها سابقا في العام 2006. والتقرير الذي نشرته ساندي ريفيو في 28/9/2013 بعنوان “تخيّل خريطة معدلة للشرق الأوسط”.

وهنا يبرز قلم “مشروع حدود الدم” لإعادة رسم الخطوط والحدود، وقد نشرت تفاصيله “مجلة القوات المسلحة الأمريكية” في 1/6/2006، تحت عنوان “حدود الدم – كيف يبدو الشرق الأوسط أفضل؟”، وهي رؤية وضعها الجنرال الأمريكي المتقاعد رالف بيترز، للتفتيت على أسس طائفية وقبلية ومذهبية.

إلا أن مصطلح “مشروع حدود الدم” يعود أساسا للمستشرق الأمريكي من أصل يهودي-بريطاني، برنارد لويس، الذي وضعه في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق كارتر (1977-1981) لإعادة تفكيك الشرق الأوسط على أسس قومية، يتم فيها دفع الأتراك والأكراد والعرب والإيرانيين للحروب تمهيدا لإعادة الترسيم، وقد تم إقراره عام 1983 (مدونة حدود الدم).

وقد تم رسم خرائط جديدة للتجمعات العرقية والمذهبية والطائفية، وهي متداولة في عدد من الدراسات والمواقع، مع بعض الاختلافات في التفاصيل: فمثلا يتضمن مشروع حدود الدم تقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات: شيعية في الجنوب، وكردية في الشمال وسنية في الوسط، وتقسيم سوريا إلى دولة علوية على ساحل البحر الأبيض، ودولة سنية في حلب، وأخرى حول دمشق، ودولة الدروز في الجولان، وتقسيم مصر إلى دولة سنية وأخرى قبطية في الشمال، ودولة النوبة وعاصمتها أسوان، ودولة للبدو في سيناء، ودولة في شمال سيناء بعد ضم غزة. وإعادة ترسيم شمال إفريقيا إلى سبع دول طائفية، منها مثلا دولة البربر، ودولة البوليساريو، ودولة الأمازيغ، وهكذا. أما المخطط لمنطقة الخليج والجزيرة العربية فيشمل إلغاء الدول القائمة وإعادة تقسيمها إلى ثلاث دويلات: دولة الإحساء الشيعية (تضم قطر والبحرين والكويت والإمارات وعمان)، ودولة نجد السنية، ودولة الحجاز السنية.

 إن تفتيت المسلمين وتحويلهم عن مفهوم الأمة الواحدة إلى طوائف وقوميات متناحرة، هو ما يراهن عليه الغرب لمنع انبثاق مشروع الخلافة الراشدة على منهاج النبوة أو تأخيره على أقل تقدير. وهو يسير في مشروع التفتيت ببطء ليكون سلسا ضمن أسلوب “التقسيم الناعم”، إذ ليس بالضرورة أن يكون هذا التقسيم سريعا أو معلنا في البداية، بل تتصاعد وتيرته مع تزايد الحروب، ومن خلال العمل المسلح الذي تنخرط به الجماعات والتنظيمات المسلحة أو الطوائف أو الأقليات، وينتج عنه نشوء “شبه دول” ككيانات (دون كيان الدولة)، وهو ما نلاحظه اليوم في كيانات مشوّهة مثل “الدولة الإسلامية”، وفي التمدد الحوثي في اليمن، وفي إعادة التموضع العلوي في الساحل السوري…

 إن الأحداث الجارية في المنطقة تشير إلى سير أمريكا في هذا المخطط عن طريق العملاء، وقد تصاعدت وتيرة الشحن الطائفي في العراق وسوريا واليمن، وظهرت دعوات التخويف من الهلال الشيعي والفارسي، والتحذير من المد الشيعي، ومن ثم التباكي على أن الشيعة أقلية في السعودية، في مقابل التباكي على أن السنة أقلية في إيران. أضف إلى ذلك تسخين ما يسمى بقضية الأكراد.

كل ذلك التصعيد الطائفي والقومي هو سير ضمن مشروع حدود الدم، الذي تواجه أمريكا به الأمة، وتعمل من خلاله على إعادة صياغة المنطقة بما يحقق مصالحها. ولذلك جدير بالمسلمين أن لا يكونوا أداة في ذلك المشروع، وأن يتنبهوا لخطورة الخطاب الطائفي والمذهبي والقومي، ولكونه محطة في هذا المشروع الأمريكي، وهو يناقض الغايات الحيوية للأمة في التحرر والوحدة وتطبيق الشريعة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى