د. ليون سيوفي يكتب: لبنانُ بينَ انقسامٍ مُقلقٍ وخطرِ الانزلاق

انقسامُ الشَّعبِ اللُّبنانيّ ليس مجرّد حالةٍ عابرة، بل هو جُرحٌ مفتوحٌ في جسدِ الوطن، يَتّسعُ كلّما ضاقت مساحاتُ الثِّقة وتراجعت لغةُ العقل. ما يُقلق ليس الاختلاف بحدّ ذاته

د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

انقسامُ الشعبِ اللبنانيّ ليس مجرّد حالةٍ عابرة، بل يشكّل جُرحًا مفتوحًا في جسدِ الوطن، ويتّسع كلّما ضاق الناس بمساحاتِ الثقة وقلّلوا من لغة العقل.

ولا يقلق الناس من الاختلاف بحدّ ذاته، لأن الاختلاف طبيعيّ في أيّ مجتمعٍ حيّ، لكن ما يُرعبهم هو تحوّل الاختلاف إلى قطيعة، وتحويله إلى اصطفافاتٍ حادّة تُهدّد فكرة الوطن من أساسها.

لبنان، الذي قام على التنوّع، لا يحتمل أن يتحوّل هذا التنوّع إلى تناحر.

فحين تصبح الطائفة بديلاً عن الدولة، والانتماء السياسي أقوى من الانتماء الوطني، نكون قد دخلنا مرحلة الخطر الحقيقي:

مرحلة تآكل الهويّة الجامعة، وانكسار الشعور بالمصير المشترك.

المشكلة أنّ هذا الانقسام لم يعد سياسياً فقط، بل أصبح اجتماعياً ونفسياً.

صار اللبنانيّ ينظر إلى أخيه اللبنانيّ بعين الريبة لا بعين الشراكة.

تختصر بعض الأطراف المواقف في الهويّات، وتختزل القضايا في الولاءات وكأنّ الحقيقة لم تعد تُقاس بما هو صائب، بل بمن قالها.

والأخطر من ذلك أنّ هذا الواقع لا يأتي صدفة، بل ينتج عن سنواتٍ من الاستثمار في الانقسام

حيث تبني زعاماتٌ هذا النهج وتغذّيه.

على الخوف، وتغذّت قوى على الانقسام، واستُخدمت الأزمات لتعميق الشرخ بدل معالجته. وهنا يكمن جوهر المأساة:

حين يصبح الانقسام أداة حكم.

لكنّ القول إنّ التَّصالُح مستحيلٌ ليس دقيقًا، وإنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في الاختلاف بحدّ ذاته، بل في تحوّل هذا الانقسام

إلى بابٍ لتدخّلاتٍ خارجيّة، كما حدث في الحرب الأهلية اللبنانية. ورغم ذلك، فإنّ إرهاق اللبنانيين وتداخلهم الاجتماعيّ

يشكّلان عاملَ ردعٍ لأيّ انفجارٍ شامل، ما يعني أنّ الانزلاق ليس قدَرًا محتومًا.

الأزمة، في جوهرها، لا تكمن في استحالة الحلّ، بل تكمن في غياب مشروعٍ وطنيّ جامع يعيد تعريف المصالح المشتركة خارج منطق الاصطفاف. كما يرسّخ البعض فكرة أنّ الحرب حتميّة، بينما تقرّب هذه الفكرة نفسها وقوع الحرب بدل أن تمنعها.

ومع ذلك، لا يزال الأمل قائماً. لأنّ الشعب الذي تعب من الانقسام، هو ذاته القادر على كسره. اللحظة المفصلية

لا تكون حين ينتصر فريق على آخر، بل حين يكتشف الجميع أنّ لا أحد سينجو وحده.

لبنان لا يحتاج إلى غالبٍ ومغلوب، بل يحتاج الناس إلى وعيٍ جديد يعيدون به تعريف معنى الوطن: وطنٌ لا يبنيه الناس على الغلبة، بل على الشراكة، ولا يقوم على الخوف، بل على الثقة، ولا يستند إلى ماضٍ مثقلٍ بالجراح، بل يصوغ الناس مستقبله بإرادةٍ مشتركة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى