وقفة سيميائية.. و نص (غاب) للشاعرة رواء العلي

944418_0

 

القراءة للأستاذ المُبدع علي الجنابي
»»»»»»»»»»«««««««««««««
غاب
«««««
في غابة الطرق
المتقاطعة
ظل ينحني
يترنح
بجسد من رماد
متنقلاً
بين ذاكرتي والخيال
في الزمن المتقاطع
غاب الصباح
هذا الزمن كئيب
لأخرج الى أين!!؟
في نافذة الفجر
قال
وداعاً!!!
__________
– النص من الشعر النثري، ينتمي الى ما أُسمّيه تداخل النصوص، أو تداخل الأنواع الأدبية المتقاربة.. فصيغة النص عند الانطلاق سردية، وإن سلّمنا بشاعريته من ناحية اللغة والتصميم الهندسي (الظاهري)؛ إلاّ أنه لا شك في أرجحيته الشعرية من حيث نسبته كنص، لا سيما وأنه لا يتداخل مع السرد كثيراً من جهة، ومن جهة أخرى، كان للنسق والأسلوب الشعري وخصائصه المساحة الأبرز والأوفر في عمومه.
العنوان:
غاب: فعل ماضٍ، معناه: بعُدَ مؤقّتاً عن مكان كان فيه، أو عن موضع كان الحضور فيه ممكناً أو واجباً. بمعنى صار غير مرئياً، كما يُقال: غابت الشمس وراء غيمة، فهي موجودة، إلاّ أنها محجوبة عن الرؤية، كذلك الغائب محجوب عن الرؤية لسبب ما.
أما في علم الجغرافيا، فإن (غاب) تأتي كجمع لمفردة (غابة) التي تجمع بصيغة: غابات، وغاب. والغابة: هي الأرض المغطاة بالحشائش والأشجار الكثيفة. وهناك معانٍ أخرى لكلمة غاب لا يتسنى لنا التطرق لها الآن.
ولعلنا هنا نرجّح المعنى الأول لمفردة (غاب) كعنوان سيق للنص.
أو المعنى الثاني، فهو أيضاً متعلّق بالنص بنحو معين.. ولعلني أميل كثيراً الى ترجيح كِلا المعنيين الذين أشرنا لهما في تفسير (غاب) فمن الممكن جداً بل الأولى ترجيحهما معاً؛ لتعلّقهما وتمَثّلهما في النص مفهوماً ومصداقاً وكما سنرى.
……..
الأسلوب:
انطلق النص متذبذباً بين السايكولوجية والرمزية مع فواصل من الوضوح، جاءت كمحطات استراحة من عناءات التغريب والشرود الذهني، كتوقّف مؤقت عن رحلة الغياب.
هذا الانطباع السايكولوجي جاء عفوياً بفعل مؤثر نفسي، كان له الوقع الأكبر في حياة الشاعرة بكلّ تفاصيلها؛ فعبّرت بكل سلاسة ووضوح عمّا ألمّ بها من تغريب.
أما ما نمرّ به من مرافئ الرمز ؛ فهو الآخر لم يكن مصطنعاً ولم يأتي متكلّفاً، وإنّما جاء بعفوية خالصة وروح متجرّدة، لبث عوالم مرت بها الشاعرة، كان لها أيقاعاً ذاهلاً، وتراتيبية متعالقة ومتشظية معاً.
……………
(في غابة الطرق المتقاطعة، ظل ينحني)
غابة: اسم، الجمع: غاب، وغابات.
واضافة الى الغابة المعروفة، هناك: غابة البحر، وتعني: مجتمع دويبات بحرية متحجرة. وهناك غابة محظورة، وهي التي تمنع الماشية من دخولها، ويُحظر قطع اشجارها. وهناك، غابة ممطرة: وهي في المنطقة الاستوائية، ويتساقط فيها المطر…
و (غابة الطرق) في قول الشاعرة، اشارة الى عمق وحجم التشتت الذهني والنفسي، وكذلك الصوري في شاشة ذاكرة الذّاكر (الشاعرة) والمذكور (ولدها) – إنّما النص جاء تجسيداً خالداً لرثاء ونعي ولدها الفقيد الشهيد –
وهي هنا تضعنا أمام تصور لوقفة في مفترق طرق، في عوالم عصية على الإدراك لصعوبة ولوجها والتعرف على كنهها…
أما (الطرق المتقاطعة) فنوجزه بالقول المأثور (كل الطرق تؤدي الى روما) وهنا كل الطرق تؤدي الى الغياب والرحيل والألم.
(يترنح، بجسد من رماد) فهو اضافة الى انحائه، يترنّح: والترنّح: هو التمايل من سكر أو مرض أو تعب أو جرح.
ولكن (بجسد من رماد) يالَ الهول..! و يا لهُ من وصف بليغ.. كيف لنا أن نتصور شخصاً بجسدٍ من رماد.. وقد راح ينحني ويترنّح؟! في غابة،، متقاطعة الطرق؟!
(متنقلاً، بين ذاكرتي والخيال)
نلاحظ هنا كيف أنّ الشاعرة أفصحت بكل تجرّد من أن ما جاء في مستهل النص ما هو إلاّ جزء وبعض من مشاهد منتخبة من ذاكرة لا تنتمي إلاّ الى علم خاص وواقع ذاتي كان محضاً من ذهول.
(في الزمن المتقاطع، غاب الصباح)
تعود الشاعرة لتؤكد لنا حالة التقاطع، ولكن هنا من خلال الزمن.. ليكتمل لدينا/ لديها حالة التقاطع في عنصري الزمان والمكان معاً (الزمان ما ذكرته هنا، والمكان في قولها: غابة الطرق المتقاطعة.
وقد قدّمت المكان على الزمان لاعتبارات شخصية نفسية متعلقة بالحدث.
ولنا أن نتصور كيف اذا ما (غاب الصباح).. لتبدو لنا الأيام محض ليل… والصباح تشبيه في غاية الجمال.. لأن الأم تشرق كل معانيها حين ترى ولدها عند الاستيقاظ من النوم.
(هذا الزمن كئيب، لأخرج الى أين!!)
فعلاً ليس هنالك أكثر كآبة من هذا الوقت. تعود الى نفسها لتسألها: لأخرج.. ولكن.. الى أين؟
(في نافذة الفجر، قال، وداعاً)
الله.. لكم هي جميلة هذه الخاتمة (الأدبية) على الرغم مما حملته من وجع.. وهي تصف أخر فجر، آخر صباح غير مظلم.. آخر محطة لها مع فلذة كبدها.. بعدها أومأ لها بشارة الوداع.
………………..
في هذه المسيرة الحافلة بالمعطيات النفسية والمعنوية، وقفنا على مشاعر الأم الفاقدة، وقد صُور لنا بقلم أديب، قلم أمّ كباقي الأمهات لكنها تمتلك أدوات التعبير والموهبة، لتضعنا أمام لوحة من التراجيديا الشعرية، لنقف عند عديد المحطات السيميائية المتوالدة من رحم بعضها البعض، وهي/ ونحن، نقف في مفترق طرق، لم نستطع أن نلج كل ما أشرعته من بوابات، نحو مسارات التخييل والتغريب والعودة، فاكتفينا بما اهتدينا اليه وحسب..

 

 
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى