تقاسيم (بروحي عنك… يا «علي»)

تقاسيم (بروحي عنك… يا «علي»)
يخيفك الموت، يمد يده ليصافحك حتى ولو لم ترغب في مصافحته، يفاجئك قبل فعل المصافحة، يقترب منك، وهو في الطريق إليك يحدث أن يختطف منك فلذة الكبد ويحرمك رؤية وجهه في اللحظة التي كنت تتوقع كل شيء إلا أن يعمد ويضربك في مقتل، الموت هو الوحيد القادر على بعثرتك وإدخالك في منطقة من الصمت لا مثيل لها، ولو كان حولك من يكون، لا يخبرك متى سيأتي ولا من سيأخذ؟ كي تستعد وتودع وتهيئ جسدك بما يناسبه من التحضيرات الوقتية المختلفة عن الصمت والدموع والشرود. للموت حضور منهك وطعنة موغلة مهما حاولنا والزمن علاجها، لكن أثرها يظل ويبقى ، ولا تعدو محاولاتنا العلاجية كونها مهمات شاقة مؤلمة لنزع خنجر الموت من أجسادنا والتظاهر بأنه لا أثر هناك ولا شيء حدث، فيما أن الذاكرة تتفضل بإعادة الحكاية من الألف إلى الياء في غمضة عين.
قبل يوم واحد خطف الموت الابن الأكبر لصديقي وأخي الشهم المبتسم دوماً الأديب الألمعي «علي مغاوي» في حادثة مرورية وخطف معه «سلاف» الحفيدة الأقرب للحبيب «علي»، وهي التي قاسمته لحظات طفولة متأخرة ولم يكن يحب أحداً أن يقتحم هذه اللحظات الطفولية الثرية المشتركة.
أخي الأكبر «علي» مثل هذه اللحظات تجبرني على الاختباء وإن كنت أستاذي الذي تعلمني يوماً بعد يوم أن أقف بمواجهة أي حدث، وحق عليّ أن أحتضنك وأضمك إلى صدري وأقول لك: رحل خالد وأنا هنا بمثابة خالد، لكني لست قوياً بما فيه الكفاية، فالتلميذ لم تعدّه الحياة لمثل هذه المواقف، أو بالأصح لم يعدّ نفسه جيداً لأقدار فاجعة كهذه، وكان يتفاخر دوماً بثروته بك، حبيبنا الألمعي… مؤمن بقوتك كما أنا مؤمن بإنسانيتك وأنت الذي قلت مساء الفقد «يا رب العرش العظيم… أنا الضعيف أمام قدرتك لا حول لي ولا قوة إلا بك.. فكن مع عبدك عند ظنه بقدرتك «يا إلهي.. حتى وأنت في أقسى اللحظات وأشدها وقعاً على النفس والروح تعلمنا كيف يكون الصبر؟ وإلى من الملتجأ؟
أخي الأكبر «علي».. ابنك «خالد» وصغيرتك «سلاف» سيجاوران الرب، وشتان بين جوار وجوار، هو بهما أرحم وألطف، ولك أن تعرف بأنك بحت لي في حديث شفاف، بأن علينا ألّا يثير فينا الموت هذه الرهبة الكبرى، وأن نحاول ألّا نبكي الراحلين إذا رحلت بهم محطة موقتة إلى حياة أخرى ما دمنا سائرين إليها شئنا أم أبينا؟
أخي الأكبر الصابر الصامد المؤمن بالقدر خيره وشره، لا زلت برعاية من الله وحفظ وأنت محاط بهذا الحشد الرهيب من الأهل والصحب، كلهم يحبونك لأنك من غرس فيهم الحب وقدمته على طبق من النبل والشهامة، ما بت أخافه ألّا يطول بي العمر فأفقد الأحبة المختلفين وأنت أحدهم يا «علي»، الجنة.. الجنة بإذن الرب الأعظم حبات قلبك «خالد» وحبيبة قلبك «سلاف»، وهنيئاً لك بـ«بيت» الحمد، لأنك حمدت واسترجعت، وهذا وعد الرب لك، أيها الحبيب.. أكتب لك والحروف لا تستوي على السطر، لأني أعرفك وأعرف روحك المشبعة بالرحمة والحب، وكلنا والله نقتسم معك الحزن، وليتنا نأخذه عنك ولو هذه المرة!
للكاتب Tags not available