بكين اعطت الضوء الأخضر لاستخدام تهديد داعش ذريعة لتكثيف حملتها على المواطنين الإيغوريين

عرب تليجراف — (فورين بوليسي):
ليست أستراليا وحدها التى أخذت التهديد الموجه من داعش على محمل الجد؛ فقد كان أعلى مسؤول عن مكافحة الإرهاب في دائرة الشرطة في نيويورك قد رفع من درجة الإجراءات الأمنية في ساحة التايمز يوم الأربعاء قبل الماضي، بعد بث شريط فيديو حديث على الإنترنت –من تأليف داعش كما تردد- والذي يحث إرهابيي” الذئب الوحيد” على مهاجمة منطقة تايمز سكوير وغيرها من المواقع السياحية. كما واجه الأسبوع الماضي مواطن أمريكي من أصل يمني ويعيش في شمال نيويورك، والذي كان قد اعتقل في وقت سابق هذا العام بتهمة التخطيط لقتل أفراد في القوات الأمريكية وآخرين، واجه تهماً جديدة بمحاولته مساعدة داعش.
أعاد قرار أوباما الأخير ملاحقة داعش، والذي أعلن يوم 11سبتمبر عن قصد، صدى رد جورج دبليو بوش في نفس اليوم قبل 13 عاماً، عندما وعد بالعثور “على أولئك المسؤولين وجلبهم أمام العدالة”. وبنفس القدر الذي حذا فيه قادة العالم في إسرائيل وروسيا والفلبين والجزائر ومصر والهند وتونس حذو بوش في شن حملة على النشاط الإرهابي آنذاك، سوف يدرس قادة العالم راهناً مرة أخرى صعود داعش كسبب للتحشيد وشن هجوم مضاد ضد الإرهاب المحلي.
تشكل الولايات المتحدة وأستراليا هدفين واضحين لداعش. ولكن ما مدى خطورة التهديد الذي تشكله هذه المجموعة على الصين؟ وفق تعليقات أدلى بها وو سايك، مبعوث الصين الخاص للشرق الأوسط، هناك ما يصل إلى 100 مواطن صيني ربما يحاربون في صفوف داعش. ويعتقد بأن المقاتلين الصينيين هم من الإيغوريين الذين ينتمون إلى مجموعة الأقلية الإثنية “شينجانغ” المسلمة التي تتحدث التركية. وفي الأثناء، شهد اجتماع عقد مؤخراً لمنظمة تعاون شنغهاي التي تضم في عضويتها كلاً من الصين وروسيا وكازاخستان وطاجاكستان وقيرغيزستان وأوزباكستان، تعبيرا عن تشارك هذه البلدان نفس المخاوف الأوروبية والأمريكية التي انضم بعض مواطنيها لداعش من عودتهم إلى بلدانهم الموطن. وفي كلمة له ألقاها أمام رؤساء دول المنظمة في طاجكستان، أكد الرئيس الصيني، تشي جينبينغ، على أنه “يجب علينا بذل جهود منسقة لسحق قوى الشر الثلاث: الإرهاب والتطرف والانفصالية”. ومن جهته، تحدث زهانغ زينفنغ مدير وكالة مكافحة الإرهاب الإقليمي في المجموعة، عن قلق الأعضاء من عودة جنود داعش، فقال “لقد باشر هؤلاء الناس بالعودة إلى أوطانهم، وهو ما يشكل تهديداً رئيسياً للأمن الإقليمي”.
ويأتي القلق المتصاعد في وقت تخوض فيه بكين معركة ضد تمرد إرهابي يتركز بشكل رئيسي في منطقة الحكم الذاتي في تشين يانغ. وتضع السلطات المحلية اللوم في العنف على الأقلية السكانية في إيغور التي يعتقد بأنها كانت وراء هجوم 28 يوليو الماضي الذي أفضى إلى مقتل 59 إرهابياً مشكوكاً فيه على يد القوات الأمنية في مقاطعة شاتشي في أقصى جنوب تشين يانغ. وبعد ثلاثة أيام من الحادث، قتل إمام مسجد “إيد كاه” في مدينة كاشغار التي تقع في أقصى الغرب بعد أدائه صلاة الفجر. وشهد العام الحالي عدداً من الأعمال الإرهابية البشعة، بما في ذلك تفجير انتحاري وقع يوم 22 مايو في أحد الأسواق في أورومكي وأسفر عن مقتل 39 شخصاً على الأقل وجرح العشرات. وشملت هجمات أخرى طعن ستة أشخاص في وقت سابق من هذا الشهر في محطة للقطار في غوانغزهو، وتفجيرا انتحارياً في نهاية ابريل في محطة السكة الحديد في أرومكي، وعمليات طعن في محطة قطارات كامينغ في مارس الماضي. بينما قد يقلل بعض الدبلوماسيين الصينيين في العلن من جدية تهديد داعش للصين، نجد أن بكين تميل على الأرجح نحو تصعيد نشاطها، رداً على تعليقات صدرت في أوائل يوليو الماضي من جانب داعش عن نيته الانتقام من عدة بلدان، بما فيها الصين، بسبب إهدار “حقوق المسلمين”.
وكانت هذه التعليقات قد ظهرت على صفحة الغلاف لأسبوعية “فيونكس”، الصحيفة الإخبارية المتمركزة في هونغ كونغ والواسعة الانتشار في الصين، كما تم توزيع المقال على نطاق واسع من خلال المواقع الإلكترونية الإخبارية ووسائل التواصل الاجتماعي الصينية إلى المواطنين الذين أصبحوا قلقين ومتوجسين في أعقاب هجمات كامينغ وغوانغزو.

ينقل المقال كلمة يوم الرابع من يوليو التي ألقاها في الموصل قائد داعش، أبو بكر البغدادي، والتي يقول فيها: “إن حقوق المسلمين محتجزة قسراً في الصين والهند وفلسطين”، و”إن إخوانكم في شتى أنحاء العالم ينتظرون إقدامكم لإنقاذهم وهم يستشرفون كتائبكم”. ويلاحظ المقال بشكل محدد ذكر الصين في المركز الأول في قائمة البغدادي، ويظهر خريطة تبين الأراضي التي تخطط دولة الإسلام لاحتلالها في الأعوام الخمسة المقبلة -والتي تضم جزءاً كبيراً من مقاطعة شينجيانغ الصينية.
يدعي بعض المحللين بأن المقال والخريطة يبالغان في احتمال أن يشن الجهاديون حملة جهادية في أراض قصية مثل شينجيانغ، مشيرين إلى صعوبة شن هجمات متزامنة عبر جبهات متعددة مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. ومن الواضح أن مقاتلي داعش بسطوا أيديهم بالكامل في العراق وسوريا، لكن الهجوم المخطط في سيدني يميط اللثام عن إمكانية الوصول العالمي.
مع ذلك، وسواء كان تنظيم داعش يشكل تهديداً حقيقياً ومباشراً لمواطني شينجيانغ أم لا، فإن من المرجح أن تعمد بكين إلى إعطاء الضوء الأخضر لاستخدام التهديد المستشعر كذريعة لتكثيف حملتها على المواطنين الإيغوريين. وتشكو مجتمعات الإيغوريين في المنفى أصلاً من أن بكين تبالغ في تصوير حجم التهديد من جانب الإرهابيين وتصور بشكل زائف أعمال الشغب على أنها هجمات إرهابية مخططة عن سابق إصرار. ومع ذلك، فإن تحديد مدى أي تهديد وما إذا كان في الحقيقة يتبلور على أرض الواقع هو أمر صعب على ضوء القيود المفروضة على الصحفيين الأجانب العاملين في شينجيانغ، والتأخير المتكرر في التغطية من وسائل الإعلام الصينية الرسمية.
من دون تغطية إخبارية أفضل لما يحدث في شينجيانغ، لن تجتذب الصين الكثير من التعاطف مع حربها على الإرهاب، بالرغم من تشاركها مع واشنطن ضد عدو واحد، داعش. ومن ناحية نظرية، من الممكن أن تصطف مصالح واشنطن وبكين – كما تفعلان في العراق حيث ثمة بعض الدعم من الصين لشن ضربات جوية ضد المتمردين في شمالي العراق. ومن الطبيعي أن تكون مصلحة بكين الأخرى اقتصادية -الصين هي أضخم مشتر أجنبي لنفط العراق، وهي تمتلك أكثر من 20 في المائة من مشروعات النفط العراقية.
تبقى الشراكة في مصالح مشتركة في العراق بعيدة عن أن تنال كسب دعم واشنطن لتكثيف الجهود الصينية لمحكافحة الإرهاب في شيجيانغ، نظرا لأن الوضع هناك أقل شفافية مما هو في العراق. ولسوء طالع مواطني شينجيانغ، فإن من المرجح أن تعمد بكين إلى استخدام التقارير عن تواجد داعش في شينجانغ كدعاية لتصعيد وتيرة القتال ضد الإرهاب هناك. ولعل من المؤسف، وبالقدر الذي شاهدنا حدوثه مع الشيشان والكشميريين والفلسطينيين في أعقاب أحداث سبتمبر من العام 2001، فإن رد فعل بكين على التهديد المستشعر من داعش سيفضي على الأرجح إلى وقوع المزيد من الضحايا الأبرياء وإلى المزيد من الهجمات المضادة من جانب المتطرفين، وتطرف شباب الإيغور. كل ذلك قد يفي في يوم من الأيام بنبوءة داعش بدخول المنطقة.