الشرق الأوسط على حافة الانفجار…هل اقترب الدور من لبنان؟

بقلم : د. ليون سيوفي

باحث وكاتب سياسي

عندما تبدأ دول كبرى بإخبار مواطنيها «غادروا الشرق الأوسط قبل أن يصبح الخروج مستحيلاً»، فالسؤال لم يعد: هل هناك خطر؟ بل ماذا تعرف هذه الحكومات ولا نعرفه نحن؟

إنذار الخطر لم يعد يأتي من الإعلام وحده؛ بل بدأ يأتي من حكومات تعرف كيف تستعد للحرب قبل أن يراها الناس في الشوارع.

الولايات المتحدة، بريطانيا، أستراليا، نيوزيلندا، والهند تشدد تحذيراتها لرعاياها في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط، فيما تتحدث التحذيرات الرسمية عن احتمال تدهور الوضع بسرعة، وتعطل الرحلات، وإغلاق المجال الجوي والحدود، وتدعو الموجودين في بعض الدول إلى المغادرة ما دامت الرحلات التجارية متاحة.

هذه ليست نبوءة بحرب شاملة، لكنها بالتأكيد ليست رسالة يمكن للبنانيين تجاهلها.

فالمنطقة تتحرك فوق برميل بارود،مواجهة متصاعدة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، توتر في الخليج، اضطراب في هرمز وباب المندب، جبهات في اليمن والعراق وسوريا، وحرب مستمرة في غزة، فيما يبقى لبنان واقفاً على واحدة من أخطر خطوط التماس.

وهنا تكمن المفارقة الخطيرة، قد لا يكون لبنان هو من يقرر الدخول في الحرب، لكنه قد يكون من أوائل من يدفعون ثمنها.

فالجنوب اللبناني ليس جبهة نائمة تنتظر تطوراً إقليمياً كي تشتعل. هناك واقع عسكري جديد فرضته إسرائيل بعد سيطرتها العملياتية على تلة علي الطاهر وإخراجها من السيطرة العسكرية لحزب الله، إلى جانب استمرار العمليات الإسرائيلية في مناطق جنوبية عدة.

وهذا يعني أن شرارة التصعيد قد لا تحتاج إلى أن تأتي من طهران أو واشنطن،قد تبدأ من الجنوب نفسه.

وأي اشتباك كبير بين إسرائيل وحزب الله في هذه المرحلة سيكون أكثر خطورة من السابق، لأن المنطقة كلها مرتبطة ببعضها. فإذا تصاعدت المواجهة الأميركية–الإيرانية، أو تعرضت المصالح والقواعد الأميركية في المنطقة لهجمات، أو توسعت الحرب في الخليج واليمن، فإن لبنان قد يتحول بسرعة من جبهة محتملة إلى جزء مباشر من حرب إقليمية واسعة.

لبنان أمام الخطر الأكبر، نعم المشكلة أن لبنان يدخل هذه المرحلة وهو في أضعف حالاته.

اقتصادياً، واجتماعياً، ومؤسساتياً، لا يملك البلد القدرة على تحمل حرب واسعة. وأي توسع في الجنوب يمكن أن يعني نزوحاً جديداً، تدميراً للبنية التحتية، اضطراباً في المطار والمرافئ والطرق، وشللاً اقتصادياً لا يحتمل.

والأخطر أن قرار إشعال الجبهة قد لا يكون لبنانياً أصلاً.

قد يصدر القرار في طهران أو تل أبيب أو واشنطن، لكن الصاروخ الذي يسقط في قرية لبنانية لن يسأل اللبناني إن كان مؤيداً للحرب أو رافضاً لها.

لذلك فإن استمرار الوجود الإسرائيلي في الجنوب، وخصوصاً حول المواقع الاستراتيجية، يجب ألا يُقرأ كحادث منفصل عن التطورات الإقليمية.

لماذا تخيفنا تحذيرات الدول؟

لأن الحكومات لا تنتظر حتى تبدأ الحرب كي تتحرك.

هي تعرف أن السيناريو الأخطر ليس فقط سقوط الصواريخ، بل أن يحدث ذلك فجأة بالتزامن مع إغلاق مطارات أو مجالات جوية، أو توقف الرحلات التجارية، أو إغلاق طرق الخروج.

عندها يصبح المواطن الذي كان يستطيع المغادرة بالأمس عالقاً في منطقة حرب اليوم.

ولهذا فإن عبارة «غادروا ما دامت الرحلات التجارية متاحة» تحمل رسالة شديدة الوضوح…لا تنتظروا اللحظة التي يصبح فيها القرار بأيديكم، لكن القدرة على التنفيذ ليست بأيديكم.

وهذا تحديداً ما يجب أن يقرأه اللبنانيون بجدية.

الخليج وباب المندب ليسا بعيدين عن بيروت

قد يعتقد البعض أن ما يجري في الخليج واليمن لا علاقة مباشرة له بلبنان.

لكن المعادلة مختلفة.

هرمز وباب المندب جزء من صراع واحد على مستوى المنطقة، وأي تصعيد كبير هناك يمكن أن يدفع إيران والولايات المتحدة وحلفاءهما إلى البحث عن ساحات إضافية للضغط والرد.

وفي هذه المعادلة، لبنان يبقى شديد الحساسية بسبب موقعه على الحدود مع إسرائيل ووجود حزب الله، وبسبب الارتباط المباشر للجبهة اللبنانية بالصراع الإسرائيلي–الإيراني الأوسع.

لا تنتظروا الصاروخ الأول ،لا أحد يستطيع أن يقول إن حرباً شاملة ستبدأ غداً.

لكن من يستطيع أيضاً أن يضمن أنها لن تبدأ؟

وهنا الفرق.

عندما تتشدد تحذيرات السفر الدولية، وتبدأ الحكومات بالاستعداد لسيناريوهات الإجلاء، وعندما يصبح احتمال إغلاق المجال الجوي جزءاً من الحسابات الرسمية، بالتزامن مع تصعيد عسكري في إيران والخليج واليمن والجنوب اللبناني، فإن تجاهل هذه الإشارات يصبح مقامرة.

لبنان ليس بعيداً عن النار. لبنان على حافتها.

والأخطر أن أي حادث كبير في الجنوب قد يأتي في اللحظة التي تكون فيها المنطقة كلها مشتعلة، فتتدحرج الأحداث بسرعة من ضربة إلى رد، ومن رد إلى رد أكبر، حتى تصبح السيطرة على مسار الحرب شبه مستحيلة.

لذلك، لا تنتظروا إعلان الحرب حتى تدركوا أن الخطر وصل.

إذا كانت دول العالم تُخرج رعاياها قبل أن تغلق أبواب المنطقة، فعلى لبنان أن يفهم الرسالة قبل فوات الأوان.

المطلوب اليوم ليس نشر الذعر، بل الاستعداد، والتحرك السياسي لمنع الانفجار، وحماية المدنيين، ومنع تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة لحرب لا يملك قرارها.

فالوقت الذي يمكن فيه منع الحرب هو قبل الصاروخ الأول، لا بعده.

والسؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس: هل ستندلع الحرب؟

بل ماذا سنفعل إذا اندلعت، وهل نملك أصلاً وقتاً كافياً للاستعداد؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى