زيارة البابا للإمارات تضيف زخما جديدا للعلاقات الإستراتيجية

بعثت الزيارة التى بدأها البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية لدولة الإمارات العربية المتحدة أمس الجمعة، بحزمة من الرسائل تصب فى خانة تأصيل وإستمرارية العلاقات الإستراتيجية بين الشقيقتين، خاصة فى ظل صمود موقف الامارات قيادة وشعبا من الحراك المصري الذى أسهم فى دعم مطالب الإستقرار والحرية، التى يسعى الشعب لتكريسها، والذي تجلى في وقوفها بجانبه عقب ثورة 30 يونيو وموقفها التاريخي والمشرف خلال تلك الفترة.
وجاءت تلك الزيارة التاريخية بدعوة من الشيخ خليفة بن زايد رئيس دولة الإمارات، فى مرحلة مفصلية تمر بها مصر مع إقتراب الإستحقاق الإنتخابي الرئاسي، لتؤكد أهمية تفعيل عناصر القوة الناعمة التى تعتبر الكنيسة من أهمها، بما تمتلكه من تأثير روحي يمتد ناشرا أواصر المحبة لكل من يقف بجانب الحق المصري فى الحياة والإستقرار، وهو ما تجلي فى موقف دولة الامارات في مساندتها ووقوفها بجانب الشعب المصري خلال الظروف الصعبة التي مربها .
فيما يؤشر القداس الذى أقامه البابا تواضروس الثاني وهو أول قداس له فى دولة عربية، اليوم السبت، بكاتدرائية الأنبا أنطونيوس بأبوظبي، إلى مكانة الامارات الرفيعة لدى قداسته وما يحمله وكل المسيحيين المصريين من محبة وتقدير لدولة الامارات قيادة وحكومة وشعبا، خاصة لما تمتلكه الامارات من تاريخ طويل فى دعم الكنيسة المصرية على كافة الصعد.
ولا يذهب المراقب بعيدا إذا إعتبر تلك الزيارة علامة واضحة فى تاريخ العلاقات بين مصر والإمارات، فموقف الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات الراحل في إقامة ودعم كاتدرائية الأنبا أنطونيوس بأبوظبي، كان حدثا فارقا وموقفا تاريخيا قدم من خلاله الدليل العملي الصادق على سماحة الدين الاسلامي الحنيف، وأسس نموذجا إنسانيا ملهما يجب أن يحتذى فى قيم التسامح وقبول الآخر .
ولهذا السبب دشن البابا تواضروس زيارته للإمارات، وهى الأولى من نوعها إلى منطقة الخليج منذ توليه منصبه في 2012، والزيارة الرعوية الأولى له لدولة عربية، بزيارة مسجد الشيخ زايد وضريحه في مدينة أبوظبي، وهى سابقة تاريخية تدل على مكانة الزائر وصاحب المكان
يصاحب البابا خلال الزيارة التى تستمر 5 أيام ، وفد كنسي يضم الأنبا إبراهام مطران القدس، والأنبا إبرام أسقف الفيوم، والأنبا لوكاس أسقف أبنوب والفتح، والأنبا جوارحيوس أسقف مطاي، والقس أنجيلوس إسحق والقس أمونيوس عادل من سكرتارية قداسة البابا تواضروس، والشماس هاني نجيب.
أمن مصر ضمان لأمن الشرق الأوسط
وعلى الرغم من أن زيارة البابا تواضروس الثانى للإمارات، تؤكد ما أقرته تقارير المنظمات الدولية حول ما يتمتع به ” غير المسلمين ” المقيمين فى كافة المناطق من حرية دينية وإجتماعية، إلا أنها تحمل مدلولا خاصة يضيف حروفا جديدة لأبجديات العلاقات الإستراتيجية بين القاهرة وأبو ظبي .
حيث تؤكد توجهات القيادة بالإمارات أهمية أمن مصر واستقرارها، باعتباره الضمانة الأساسية للاستقرار في سائر الأقطار العربية ومنطقة الشرق الأوسط، وأن دعم مصر في الظروف الراهنة التي تمر بها هو واجب على كل عربي يعرف قدر مصر باعتبارها الشقيقة الكبرى للعرب جميعا.
والمراقب لتصريحات القيادة بالإمارات يمكن التأكد بجلاء، مدى دعم الإمارات الكامل لمصر وشعبها في استكمال خارطة الطريق وإتمام الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المرتقبة، وفقا لإرادة الشعب المصري وبما يحقق مصالحه، خاصة أن مصر بدأت تستعيد قوتها ووحدتها من خلال أبنائها المخلصين الحريصين على تقدمها وازدهارها.
العلاقات القوية بين البلدين
وليس خافيا إن العلاقة التى تربط الإمارات ومصر تأسست على ركائز قوية مدعومة بفكر أصيل من قبل “الشيخ زايد بن سلطان”، وأن مساندة الإمارات لمصر خلال المرحلة الحالية، تأتي استمرارا للعلاقات التاريخية المتينة التي تجمع البلدين،لأن إستراتيجية دولة الإمارات تستهدف تعزيز التنمية لضمان الاستقرار، وهو الهدف الإستراتيجي الذى ترى الإمارات قيادة وشعبا أنه يستحق الكثير من الجهود المتواصلة التى تصب فى خانة مساندة مصر والمصريين .
وليس ثمة شك فى أن الحكومة الإماراتية تستكمل المشوار الذي بدأه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مع مصر حال تأسيس اتحاد دولة الإمارات العربية، وجهوده من أجل أن تحتل الإمارات حيزا مرموقا على المستوى الدولى، وهو ما دعمته مصر من خلال أدوار لعبتها، سواء بطريقة مباشرة أوغير مباشرة، في تدعيم وتعزيز الإمارات في عدد من القضايا والمواقف، وفي المقابل تدعم الإمارات مصر لتعزيز مكانتها في العالم العربي والإسلامي، وهو ما أسس لمعزوفة متناغمة أحاطت العلاقة الخاصة التى تجمع بين البلدين .
فقد استطاع ” الشيخ زايد مد جسور التعاون، وخلق علاقات قوية على المستويين الإقليمي والدولي، بما كان يحمله من رؤية خاصة لمصر مبنية على شراكة وعلاقة استراتيجية وتكامل اقتصادي على أسس سليمة بين الدولتين، وهو الأمر الذى دعم تكوين نواة تحول شامل في المنطقة العربية .
حرية الأديان في الامارات
ولا يمكننا الحديث عن قيم التسامح دون تأصيل ماهية الوجود المسيحى بدولة الإمارات العربية المتحدة، وما يتمتع به غير المسلمين في كافة إماراتها، حيث يشكلون مزيجا متنوعا من الجنسيات والديانات والأقليات وذلك تحت مسمى الوافدين.
تشير التقارير إلى أن الحاضرة التي تحتضن تلك الأقليات التى لا تدين بالإسلام وخاصة المسيحين الذين تبلغ نسبتهم حوالى 9%، يتمتعون بما ارتأته الدولة من قيم التسامح الديني وسعة الصدر وحسن استيعاب الديانات الأخرى، وذلك بطريقة تعكس الرؤية الناجحة لقيادة الإمارات وتوجيهات رئيسها الشيخ خليفة بهذا الخصوص، وهى التوجيهات التى تكرس قيم التسامح التى أسسها والده الشيخ زايد .
ويمكن اعتبار دولة الامارات العربية المتحدة، من أكثر دول الخليج سماحا للمسيحيين بممارسة شعائرهم الدينية بحرية في كنائس محددة في بعض المدن في الامارات، فيما ساهمت الدولة ببناء بعض الكنائس من خلال تقديم قطع أرض هبات من السلطات لبناء كنيسة أو أكثر.
بناء الكنائس والمدارس المسيحية
كما ينص الدستور على حرية الأديان، ولكن وفقا للعادات المتبعة، وتحترم الحكومة بشكل عام هذا الحق في الممارسة، كما تعترف بعدد صغير من الطوائف المسيحية من خلال إصدار تراخيص لاستعمال الأرض من أجل بناء وتشغيل كنائس، وتؤكد السياسة الحكومية مساهمتها في تحقيق الممارسة الحرة للدين عموما، كما لا توجد أية تقاريرعلى حدوث إساءات أو تمييز بسبب اعتقادات أو ممارسات دينية .
ويوجد على الأقل31 كنيسة مسيحية في الدولة، وقد تم بناؤها على أراض ممنوحة من قبل العائلات الحاكمة للإمارات التي تقع فيها هذه الكنائس، وهناك أربع إمارات تأوي مدارس أبرشية ومسيحية للتعليم الأساسي والثانوي، وتنتهج حكومة إمارة أبوظبي سياسة التسامح والتعايش السلمي والسماح لأتباع الديانات المختلفة بممارسة شعائرهم الدينية بحرية ومن دون أي تدخل، وتركز هذه السياسة على نشر خطاب ديني معتدل يدعو إلى التسامح والوسطية عبر وسائل الإعلام والمساجد والمراكز الدينية والمؤسسات الأخرى، بهدف جمع كافة أطياف المجتمع على كلمة سواء.
زيارة تكرس مبدأ التسامح
ويمكن قراءة التناغم الحالى بين مصر ودولة الإمارات، على أنه إعادة إنتاج لمنظومة متكاملة من الجسور التى مدها مؤسس الإمارات، ويرعاها حاليا ويطورها خلفاؤه السائرون على نفس الدرب، كما أن زيارة البابا تواضروس تأتى تكريسا لمبادىء التسامح التى أسسها الشيخ زايد.
ولعل هذا ما أكدته كلمات السفير إيهاب حمودة سفير مصر لدى الامارات حث قال أن البابا تواضروس فتح كل أوجه التعامل والتعاون مع الأزهر الشريف قلعة الوسطية الاسلامية، لحماية الوطن من مخاطر الارهاب وتيارات العنف والقتل والتدمير، وكل ما مر علينا من تحديات مشتركة لا علاقة بالدين سواء الاسلامي أو المسيحي، وأن مصر تتباهى بكنيستها التي يقارب عمرها العشرين قرنا كعنوان للوحدة الوطنية وهو الامر الذي يجعل كل مصري وعربي مطمئنا على قوة وصلابة نسيج الامة المصرية الواحد ضد قوى الظلام والفرقة والدمار.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى