الحبيب والهدية ….. بقلم – إسراء عبد التواب

الحبيب والهدية …..

إسراء عبد التواب

إسراء عبد التواب
إسراء عبد التواب
لم تكن تعلم أن دفئ اليد لابد أن يتبعه دفئا للقلب..فالرقص على جسد البرودة ممتع ولكنه شديد الألم .تجلس هي بين أربع جدران وتفكر في كم من المشاهد الماضية التي حولها الزمن إلى كوابيس ممتدة كلما كانت تفيق من كابوس كان الآخر يتبعها ويحمل معه أطنانا من البرودة .كل شيئ في الماضي كان مزيف .كل من أحبتهم كانوا مزيفون .شخص منهم ظل يتراقص على قلبها بمهارة بالغة وهو يدور حولها ويلتقط يدها كسارق محترف يستهدف قلبها ويرميه مباشرة في دوامات من الحيرة وترتفع ضحكاته كآدمي يتلبس هيئة جنى شرير .كلما كانت تنجو من دوامة تلتقطها آخرى سريعة تشبه القاذفة لتلتهم ما تبقي من روحها وولعها بكل من أحبت .هو ذات الولع الذي لم تكف يوما عن التجريب به،وهي تحلق هاربة من روحها النزقة لترتمي في كل الأرواح ولا تجد سكنا .
تعلمت عبر الزمن الممتد أن تلتقط الكاميرا لتصور عيونها عند كل عتبة نضج وترى تأثير جاذبيتها للعشاق .لم يلتقط أحدا يوما قلبا يتسع كمرآة لرؤيتها .يمتلكون فقط كاميرا لتصوير الفراشة للنظر إليها بإستمتاع وقت الحاجة .
عرفت تعرجات القلب والروح ،ولديها ذاكرة قوية متفجرة بالولع مع رجل كان يكبرها بسنوات طويلة ظلت تختزن في يدها لمسته .كانت تشعر بروحه تلتصق بها في وقت الحيرة .يظهر في الآحلام ،وهو لم يتخط عمر الأربعين يرتدي دائما جلباب أبيض ورائحة ذكية بمجرد أن تقترب لإحتضانه تشم رائحة الأبوة تغمرها .تفيق فلا تجدة تبكي بحرقة كوجع الخيبات ويرسم الفقد خريطة للإنكسارات العظيمة.
نامت ذات ليلة بعد لقاء جمعها بحبيب هكذا ظنت ،فوجدت الآربعيني ذو الجلباب الأبيض يقف بعيدا عنها ولا يقترب والحبيب يمنحها كيسا أسمر به أربع سمكات .طارت من الفرحة وهي تفتح الكيس فإذا به يظهر سمك قرموط فمه به حدبه تحوى مسماريين قام بغرزه بعنف إلي ذراعها ،وهي تفتح الكيس بسعادة ودون توجس من طعنة فصرخت ونظرت إلى ذراعها فوجدت الدماء تأخذ شكل نافورة على يدها ،وعندما إستيقظت تذكرت وجه أبيها الذي لم تستدل عليه فطرتها طوال تلك السنوات ،ظل الحبيب يأخذ أشكالا مخيفة غير الصور التي كانت ترسمها .كلما كانت تبتعد عن محبة أبيها بعاشق جديد غير أمين كان يزورها في الأحلام ويعيدها لتصحيح المسار .
تستطيع أن تحدد جيدا رائحة البيرفيم المفضل الذي لم يفارق جسده .مرة عثرت على تلك الرائحة في شارع جانبي لرجل كان لا يظهر منه سوى ظهره ،وقوام كان يشبه قوام أبيها .ظلت تركض وراء سيره ،وهي تتخفى حتى لا يراها ،وهي تلهث بإتجاهه
بعد كل غياب طويل كان يظهر يحتضنها في الحلم ويدعك بيده العروق الزرقاء المتورمة أعلى أطراف قدمها.فتشعر أن جبالا من الملح التي تختزنها تتحول إلى بحيرات من الماء العذب .كلما كانت تحتضن قلوب الآخرين لتبحث عن صورته كانوا يتركون صورهم ممتدة على طرقات الأسفلت في الوقت الذي تحفر صورته في كل الحوائط التي تنظر إليها .ربما خانته كثيرا بالتجارب ،لذا كان يخاصمها كملاك لا يريد التعرف على جنية معذبة بالعصيان ،وكلما تباعد الوصل يظهر كطيف لامع ليطبع قبله على جبينها ويرحل ،ولكنها لأول مرة تواجه وجها يتماثل سمار لون بشرته مع سماره. نفس طبقة الصوت الرخيم الذي يغري من أمامه بتقديم الإعترافات السرية.نفس رائحة العرق المعتقة بالوجع .تنام وتحلم بستائر كثيرة مسدلة حولها ستائر بيضاء مثل لون حبيبات الثلج الامع فيحضر الحبيب وفي يده هديه .تضحك في وجهه فينظر إليها بمحبه أن تلتقط الهدية لتنام بسكون طويلا ..

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى