اليمن في المعادلة البحرية.. حين تتحول الجغرافيا إلى قوة استراتيجية

لم يعد تجاهل صنعاء خيارًا سهلًا داخل دوائر التفكير الاستراتيجي الأمريكية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأمن البحر الأحمر وممراته الحيوية.
فقد حذر الباحث السياسي في مؤسسة «راند» ألكسندر ستارك من الاستهانة بقدرات قوات صنعاء، مشيرًا إلى أن الموقع الجغرافي لليمن، إلى جانب ما تمتلكه من قدرات عسكرية، يمنحها قدرة مؤثرة على تغيير حسابات أي مواجهة جديدة بين الولايات المتحدة وإيران، خصوصًا في منطقة باب المندب.
لكن الأخطر في هذا التقييم أنه يتعامل مع صنعاء باعتبارها طرفًا له حساباته الخاصة، وليس مجرد طرف يتحرك بصورة آلية وفق توجيهات إيرانية.
وهذه نقطة شديدة الأهمية..
فالتجربة السابقة أظهرت أن صنعاء قد تتخذ قراراتها وفق اعتبارات محلية وإقليمية، وبالتالي فإن افتراض أنها ستلتزم تلقائيًا بأي تفاهم قد يتم بين واشنطن وطهران قد يقود إلى تقديرات خاطئة.
صنعاء ليست مجرد ورقة على طاولة الآخرين.. بل طرف يمتلك حساباته وأدواته وقدرته على التأثير.
باب المندب.. قيمة تتجاوز مساحة اليمن
القوة الاستراتيجية لليمن لا ترتبط فقط بحجم قدراته العسكرية، وإنما بموقعه على واحدة من أكثر نقاط الاختناق حساسية في التجارة العالمية.
فـباب المندب يمثل حلقة أساسية تربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، ومنه تمر طرق التجارة والطاقة المرتبطة بقناة السويس والأسواق الأوروبية والآسيوية.
وقد كشفت المواجهات السابقة أن تهديد الملاحة لا يحتاج بالضرورة إلى إغلاق الممر البحري بالكامل.
يكفي أن يصبح العبور محفوفًا بالمخاطر.
فعندما تغير شركة شحن مسار سفنها، ترتفع التكلفة.
وعندما تطول الرحلة، ترتفع نفقات الوقود والتشغيل.
وعندما ترتفع المخاطر، ترتفع تكاليف التأمين.
وفي النهاية تنتقل هذه الزيادة من البحر إلى الأسواق والمستهلكين والاقتصاد العالمي.
هرمز وباب المندب.. معادلة أكثر خطورة
وتزداد حساسية الموقف عندما توضع مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر في معادلة واحدة.
فإذا تعرض الممران في الوقت نفسه لاضطرابات أو تهديدات، فإن الأمر قد يتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة ليتحول إلى أزمة واسعة تمس:
أسعار النفط، وتكاليف الشحن، والتأمين، وسلاسل الإمداد العالمية.
وهنا تكمن أهمية اليمن في الحسابات الدولية.
فالقوة لا تُقاس دائمًا بعدد السفن والطائرات والصواريخ، وإنما أحيانًا بقدرة طرف صغير نسبيًا على فرض تكلفة استراتيجية على قوى أكبر منه.
الجغرافيا.. السلاح الذي لا يمكن إسقاطه
يمكن للدول أن تدمر قواعد عسكرية، وتستهدف منصات صواريخ، وتحاصر موانئ، لكن هناك شيئًا لا تستطيع أي قوة عسكرية إزالته:
الجغرافيا.
واليمن يمتلك واحدة من أكثر الجغرافيات حساسية في النظام البحري العالمي.
ومن هنا فإن الخطأ الأكبر الذي يمكن أن تقع فيه واشنطن هو أن تنظر إلى صنعاء باعتبارها مجرد هدف عسكري، بينما المطلوب أن تنظر إليها باعتبارها جزءًا من خريطة استراتيجية متكاملة تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر وقناة السويس.
فصنعاء لا تحتاج إلى السيطرة على البحر حتى تؤثر فيه..
ولا تحتاج إلى إغلاق باب المندب حتى ترفع كلفة المرور عبره.
يكفي أن تجعل شركات الشحن تفكر مرتين قبل أن تمر.
لكن ممكن ان :
اليمن قد لا يمتلك أكبر أسطول في البحر الأحمر، لكنه يمتلك موقعًا يجعل الآخرين مضطرين إلى حسابه.
وهذه هي المفارقة الكبرى في ميزان القوة:
أن دولة قد لا تكون الأكبر عسكريًا، لكنها تستطيع بفضل الجغرافيا والقدرات غير المتناظرة أن تفرض نفسها على حسابات القوى الكبرى.
ولهذا فإن قصة اليمن ليست قصة قوة تبحث عن دور..
بل قصة جغرافيا منحت صاحبها دورًا لا يستطيع أحد تجاهله.