محمد غزال : لا تتحدثوا باسم الشعب.. الدستور ليس ساحة للمناورات السياسية

بقلم: محمد غزال ـ «مفكر سياسي»

لم تعد قضية تعديل الدستور أو مدّ مدد الحكم مجرد نقاش قانوني أو سياسي يمكن التعامل معه باعتباره خلافًا في وجهات النظر، بل أصبحت تطرح سؤالًا أعمق يتعلق بطبيعة الدولة التي نريدها، وبمستقبل مؤسساتها، وبمدى قدرتها على ترسيخ مبدأ تداول السلطة، وضمان الاستقرار السياسي، وتحقيق التوازن بين قوة الدولة وحقوق المجتمع.

ومن هنا، فإن أي دعوة إلى تحريك الشارع باتجاه تغيير الدستور أو إعادة فتح ملف مدد الرئاسة تستوجب قدرًا كبيرًا من المسؤولية السياسية والوطنية؛ لأن الشارع ليس ورقة ضغط في يد هذا الطرف أو ذاك، وليس من الحكمة استدعاء المواطنين إلى مواجهة سياسية دون إدراك لطبيعة المطالب التي قد يطرحونها، أو حجم الضغوط الإجتماعية المتراكمة نتيجة الأوضاع الإقتصادية.

فالمواطن الذي يواجه ارتفاع الأسعار، وتراجع قدرته الشرائية، وأعباء المعيشة، أو تحمل تكاليف التعليم والعلاج، لا ينظر إلى القضايا السياسية من زاوية النخب التي تملك امتيازات اقتصادية ومهنية مختلفة. فهناك فجوة واضحة بين واقع قطاعات واسعة من المواطنين وبين الصورة التي تعكسها بعض الخطابات الإعلامية والسياسية.

وهذه الفجوة لا يجوز تجاهلها أو التقليل من شأنها، كما لا يجوز افتراض أن المواطن مستعد لتبني أي دعوة سياسية لمجرد أن شخصية عامة أو إعلامية تطلقها من موقعها. فالشعب ليس كتلة واحدة يمكن توجيهها بالشعارات، ولا يصح أن يتحدث أحد باسمه دون أن يكون مدركًا لحجم معاناته وتنوع مطالبه وأولوياته.

الشارع ليس مساحة للمغامرة السياسية

إن الدعوة إلى نزول المواطنين للشارع من أجل تغيير الدستور تفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: ما الهدف المحدد من هذه الدعوة؟ وما الضمانات التي تحول دون اتساع المطالب إلى ملفات أخرى تتصل بالأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية؟ وهل يمكن لأي طرف أن يضمن مسبقًا حدود الحركة الشعبية أو اتجاهاتها؟

الحقيقة أن الاحتجاجات، متى خرجت من إطار المطالب المحددة، قد تتحول إلى مساحة واسعة للتعبير عن تراكمات متعددة، لا يمكن اختزالها في مطلب دستوري واحد. ولذلك فإن التعامل مع الشارع باعتباره أداة يمكن استدعاؤها ثم التحكم في مسارها ينطوي على تقدير سياسي بالغ الخطورة.

ومصر، بما تواجهه من تحديات اقتصادية وإقليمية وأمنية، ليست في حاجة إلى مغامرات غير محسوبة، لكنها في الوقت نفسه ليست في حاجة إلى إغلاق المجال العام أو التعامل مع كل نقاش سياسي باعتباره تهديدًا للاستقرار. فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالصمت، وإنما بإيجاد قنوات مؤسسية ودستورية تسمح بالتعبير عن المطالب ومناقشة السياسات وتصحيح الأخطاء.

الدستور ليس نصًا يتغير وفق حسابات الأشخاص

إن الدستور يمثل العقد المنظم للعلاقة بين الدولة والمجتمع، ويحدد سلطات المؤسسات واختصاصاتها، ويضع الضمانات التي تحكم تداول السلطة وتكفل استمرار الدولة بعيدًا عن ارتباط مصيرها بشخص واحد.

وقد شهدت مصر تعديلات دستورية عام 2019، تضمنت تعديل مدة الفترة الرئاسية من أربع سنوات إلى ست سنوات، وتنظيم مدد تولي المنصب الرئاسي وفق النصوص المعدلة. وهذه التعديلات أصبحت جزءًا من الإطار الدستوري القائم، وهو ما يفرض احترام الدستور والقواعد والإجراءات التي ينظمها، كما يفرض أن يكون أي نقاش بشأن تعديله نقاشًا جادًا وشفافًا، لا تحركه اعتبارات المصالح الشخصية أو الحسابات السياسية الضيقة.

والسؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرًا هو: هل نريد دولة تستند إلى مؤسسات دستورية مستقرة، أم دولة يرتبط مستقبلها السياسي باستمرار شخص بعينه؟

إن احترام الدستور لا يعني تحريم مناقشة نصوصه، كما أن المطالبة بتعديله لا ينبغي أن تتحول إلى دعوة لتجاوز المؤسسات أو ممارسة ضغوط خارج الأطر الدستورية. فالدولة القوية هي التي تملك القدرة على مراجعة تشريعاتها وسياساتها من خلال مؤسساتها، وتحافظ في الوقت نفسه على استقرار قواعدها الدستورية.

تداول السلطة ضمانة لاستمرار الدولة

ولعل التجارب الدولية تقدم دروسًا مهمة في هذا السياق. فالولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال، تتغير فيها القيادة التنفيذية وفق دورة انتخابية محددة، بينما تستمر مؤسسات الدولة في أداء وظائفها، بصرف النظر عن تغير الرئيس أو الحزب الحاكم. ولا يعني ذلك أن التجربة الأمريكية خالية من الأزمات أو الاختلالات، لكنها تكشف أهمية الفصل بين استمرارية الدولة واستمرارية الأشخاص في السلطة.

فالدولة لا تتقدم لأن رئيسها يبقى طويلًا في موقعه، ولا تتراجع بالضرورة لمجرد تغير قيادتها، وإنما تتحدد قدرتها على التقدم بمدى قوة مؤسساتها، وكفاءة إدارتها، واستقلال منظومة العدالة، وفاعلية الرقابة والمساءلة، وقدرتها على إنتاج السياسات التي تستجيب لاحتياجات المجتمع.

ومن ثم، فإن تداول السلطة ليس تهديدًا للاستقرار، بل يمكن أن يكون أحد أهم ضماناته، متى جرى وفق انتخابات نزيهة وقواعد دستورية واضحة ومؤسسات قادرة على حماية انتقال المسؤولية دون اضطراب.

لا تتحدثوا باسم شعب لم يشعر بمعاناته

أما الخطاب الإعلامي والسياسي، فيحتاج إلى قدر أكبر من الاتساق والمصداقية. فالمواقف المتغيرة تجاه الحكام والأنظمة، والانتقال من تأييد مرحلة إلى تمجيد أخرى، لا يمكن أن تكون بديلًا عن الموقف المبدئي الثابت القائم على احترام الدستور والمؤسسات وحقوق المواطنين.

وليس المطلوب محاكمة الأشخاص على مواقفهم السابقة، أو حرمانهم من حق مراجعة آرائهم، وإنما المطلوب أن تكون المواقف السياسية واضحة ومعلنة، وأن تخضع للمساءلة العامة، وألا يتحول الإعلام إلى مساحة لتقديم الولاء للأشخاص بدلًا من مراقبة الأداء ومناقشة السياسات.

فالإعلامي الذي يتحدث باسم المواطنين يتحمل مسؤولية مضاعفة، لأنه لا يملك تفويضًا مفتوحًا لاختزال إرادة المجتمع في رأيه الشخصي. ومن حق المواطن أن يسأل: أين موقع قضاياه اليومية من هذا الخطاب؟ وأين الحديث عن الملفات التي تمثل جوهر الحياة اليومية للملايين؟

الدولة التي نريدها أكبر من الأشخاص

إن مصر تحتاج إلى معادلة وطنية متوازنة، تحمي الدولة من الفوضى، وتحمي المجتمع من التهميش، وتحفظ للمؤسسات مكانتها، وتضمن للمواطن حقه في حياة كريمة ومشاركة سياسية حقيقية.

ولا ينبغي أن يكون الاختيار بين الاستقرار والتغيير، فالتغيير المنضبط والمؤسسي يمكن أن يكون طريقًا إلى استقرار أكثر رسوخًا، بينما يؤدي تجاهل المشكلات المتراكمة إلى تعميق الفجوة بين المجتمع ومؤسساته.

إن بناء دولة المؤسسات يبدأ من الإيمان بأن المناصب مؤقتة، وأن الدساتير تعلو على الأشخاص، وأن المسؤولية العامة تكليف وليست امتيازًا، وأن المواطن ليس مجرد متلقٍ للقرارات أو أداة تستخدم عند الحاجة، بل هو صاحب المصلحة الأساسية في الدولة وغايتها النهائية.

وفي النهاية، فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه جميعًا ليس من يبقى في السلطة، ولا من يدعو إلى تعديل الدستور، وإنما كيف نبني دولة تستطيع الاستمرار والتقدم مهما تغير الأشخاص؟ وكيف نضمن أن تكون مؤسساتها أقوى من الأفراد، وأن تكون كرامة المواطن واحتياجاته في مقدمة أولويات الحكم؟

فالأوطان لا تُبنى بتقديس الأشخاص، ولا تستقر بإسكات الأسئلة، ولا تتقدم بتجاهل معاناة المواطنين. إنما تُبنى بدستور محترم، ومؤسسات قوية، ومساءلة حقيقية، وتداول سلمي للسلطة، وعدالة اجتماعية تجعل المواطن شريكًا في وطنه، لا مجرد شاهد على ما يحدث فيه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى