سويسرا الشرق الأوسط .. أين تقف عُمان من إسرائيل؟

الطيار العُماني.. بين الاتهام والتحقيق .. ما علاقة عُمان بإسرائيل؟

عمان من : هالة أبو سليم
أعاد الطيار العُماني الذي يُزعم أنه حاول اختطاف وتحطيم رحلة تابعة لشركة «فلاي دبي» كانت متجهة إلى تل أبيب، سلطنة عُمان إلى دائرة الاهتمام الدولي، وفتح من جديد أسئلة حول طبيعة العلاقة بين مسقط وإسرائيل، وحدود الدور العُماني في معادلات الأمن والدبلوماسية في الشرق الأوسط.
وتُعرف عُمان أحيانًا بلقب «سويسرا الشرق الأوسط» بسبب سياستها الخارجية التي تقوم على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع أطراف متباينة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإيران، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقاتها مع دول الخليج والقوى الدولية الأخرى.
وهذا الموقع الدبلوماسي جعل السلطنة لاعبًا مختلفًا عن كثير من دول المنطقة؛ فهي لا تنخرط عادةً في سياسة المحاور بصورة مباشرة، وإنما تفضل لعب دور الوسيط عندما تسمح الظروف بذلك.
تقع عُمان في الركن الجنوبي الشرقي من شبه الجزيرة العربية، وتحدها السعودية والإمارات واليمن، بينما تمتد سواحلها على بحر العرب وخليج عُمان، بالقرب من مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية.
عُمان.. الدولة التي تتحدث مع الجميع
لم تكن عُمان، حتى وقت قريب، من الدول الخليجية التي تتصدر عناوين الأخبار الدولية بصورة مستمرة. لكن موقعها الجغرافي وسياساتها الخارجية منحاها أهمية متزايدة، خصوصًا مع اعتماد الولايات المتحدة وإيران عليها في بعض مراحل الاتصالات غير المباشرة.
وخلال السنوات الماضية، لعبت مسقط دورًا في نقل الرسائل بين واشنطن وطهران، مستفيدة من احتفاظها بعلاقات جيدة مع الطرفين.
وقد منحها هذا النهج صورة الدولة القادرة على التواصل مع أطراف لا تتحدث مع بعضها بصورة مباشرة، وهو ما جعلها في بعض الأزمات قناة دبلوماسية مهمة، بعيدًا عن الضجيج السياسي والإعلامي.
لكن هذه السياسة لا تعني أن عُمان وإسرائيل تربطهما علاقات دبلوماسية رسمية.
فعلى الرغم من وجود اتصالات وعلاقات تجارية سابقة بين الجانبين، فإن العلاقات الرسمية لم تتطور إلى إقامة علاقات دبلوماسية كاملة. وفي عام 2000، أغلقت مكاتب التمثيل التجارية الإسرائيلية في عُمان، في ظل تدهور الأوضاع بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
ومع ذلك، لم تختفِ الاتصالات تمامًا.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2018، قام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بزيارة علنية نادرة إلى مسقط، والتقى السلطان قابوس بن سعيد، في خطوة أثارت اهتمامًا واسعًا آنذاك، خصوصًا أن الزيارة جاءت في وقت لم تكن فيه علاقات دبلوماسية رسمية قائمة بين البلدين.
وكانت تلك الزيارة مؤشرًا واضحًا على أن القطيعة الدبلوماسية لا تعني بالضرورة غياب قنوات الاتصال.
دولة خليجية.. وموقع يتجاوز حدودها
تكمن أهمية عُمان بالنسبة إلى المعادلة الإقليمية في موقعها قبل أي شيء آخر.
فالسلطنة تمتلك ساحلًا طويلًا يمتد على بحر العرب وخليج عُمان، وتطل على منطقة قريبة من واحد من أهم الممرات البحرية العالمية، وهو مضيق هرمز.
ويمنحها ذلك أهمية استراتيجية تتجاوز حجم اقتصادها وعدد سكانها، الذين يبلغ عددهم نحو 5.5 مليون نسمة، مع وجود نسبة كبيرة من المقيمين الأجانب.
كما تتميز عُمان بخصوصية دينية داخل العالم الإسلامي؛ إذ ينتمي عدد كبير من المواطنين العُمانيين إلى المذهب الإباضي، إلى جانب وجود مواطنين ومقيمين من خلفيات دينية وثقافية متعددة.
وتتخذ البلاد نظامًا سلطانيًا، ويتمتع السلطان بصلاحيات واسعة. ويتولى السلطان هيثم بن طارق آل سعيد الحكم منذ يناير/كانون الثاني 2020، بعد وفاة السلطان قابوس، الذي حكم السلطنة لنحو نصف قرن.
اقتصاديًا، ظل النفط والغاز يمثلان عنصرًا أساسيًا في الاقتصاد العُماني، لكن السلطنة عملت خلال السنوات الأخيرة على تنويع مصادر الدخل وتطوير قطاعات أخرى، مستفيدة من موقعها البحري وموانئها وصلاتها التجارية بين آسيا وأوروبا.
أين تقف عُمان من إسرائيل؟
السؤال الأكثر حساسية هو: إذا كانت عُمان لا تقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل، فلماذا توجد بين البلدين قنوات اتصال من الأساس؟
الإجابة ترتبط بطبيعة السياسة العُمانية نفسها.
فمسقط حافظت تاريخيًا على سياسة تقوم على إبقاء الأبواب مفتوحة أمام أطراف متعددة، ولم تكن علاقاتها بإسرائيل منفصلة عن هذا النهج. وفي الوقت نفسه، ظلت عُمان تؤكد دعمها للقضية الفلسطينية وضرورة التوصل إلى حل سياسي للصراع.
وبالتالي، فإن العلاقة العُمانية–الإسرائيلية لا يمكن وصفها بأنها تحالف، كما لا يمكن اختزالها في القطيعة الكاملة. الأدق أنها علاقة اتصالات محدودة ومتقطعة، تحكمها الظروف الإقليمية وطبيعة الدور الذي تحاول مسقط القيام به كوسيط.
ومن هنا تأتي أهمية عُمان بالنسبة إلى إسرائيل: ليس باعتبارها حليفًا عسكريًا أو دولة تقيم معها علاقات دبلوماسية كاملة، وإنما باعتبارها دولة خليجية ذات موقع استراتيجي وقنوات اتصال مع أطراف لا تستطيع إسرائيل دائمًا التواصل معها بصورة مباشرة.
الطيار العُماني.. بين الاتهام والتحقيق
أما التطور الذي أعاد عُمان إلى واجهة الاهتمام الإسرائيلي والدولي، فيتعلق بالطيار الذي يُزعم أنه حاول اختطاف أو إسقاط رحلة «فلاي دبي» المتجهة إلى تل أبيب.
وحتى الآن، لم تصدر عُمان، وفق المعلومات الواردة في التقرير، تأكيدًا رسميًا بشأن هوية الطيار أو جنسيته، بينما وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الطيار بأنه عُماني، وربط الحادث بما وصفه بالتطرف الإسلامي.
وقال نتنياهو إن التحقيقات تبحث أيضًا فيما إذا كان الطيار قد تصرف بمفرده أم أنه أُرسل من جهة أخرى، متوعدًا بأن الجهة التي تقف وراء الهجوم، إذا ثبت وجودها، ستدفع ثمنًا باهظًا.
وهنا تظل نقطة مهمة: الاتهام لا يساوي إثباتًا، ولا يمكن اعتبار جنسية الطيار أو دوافعه أو وجود جهة تقف خلفه أمورًا محسومة قبل انتهاء التحقيقات الرسمية وصدور معلومات موثوقة عنها.
لكن مجرد طرح اسم عُمان في حادث يستهدف رحلة متجهة إلى تل أبيب يكفي لإعادة طرح السؤال الأوسع حول طبيعة موقع السلطنة في المعادلة الإسرائيلية.
فمسقط ليست حليفًا إسرائيليًا، وليست في الوقت نفسه دولة مغلقة تمامًا أمام إسرائيل. إنها دولة اختارت لنفسها مساحة مختلفة: التواصل مع الخصوم، والاحتفاظ بعلاقات مع الغرب، وعدم الانضمام بصورة كاملة إلى أي محور إقليمي.
ولهذا السبب تحديدًا تظل عُمان دولة مهمة في الحسابات الإسرائيلية والإقليمية؛ فالقوة العُمانية لا تكمن فقط في حجمها العسكري أو الاقتصادي، وإنما في موقعها الجغرافي وقدرتها على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة عندما تُغلق الأبواب بين الآخرين.