لبنان بين الجنوب وطهران وواشنطن: هدنة مؤقّتة أم حرب مؤجّلة؟

بقلم : د. ليون سيوفي – باحث وكاتب سياسي

لم يعد ما يجري في جنوب لبنان قضية لبنانية منفصلة عن المشهد الإقليمي. فالجنوب أصبح نقطة تقاطع بين إسرائيل وحزب الله، وواشنطن وطهران، والخليج واليمن. وكلما ارتفعت حرارة المواجهة في المنطقة، عاد السؤال نفسه إلى بيروت: هل يبقى لبنان خارج الحرب، أم يعود ليكون إحدى ساحاتها؟

في الجنوب، ما زالت إسرائيل تحتفظ بمواقع داخل الأراضي اللبنانية، بينما يبقى ملف سلاح حزب الله والانسحاب الإسرائيلي العقدة الأساسية أمام تثبيت أي تسوية نهائية. وتبقى تلة علي الطاهر واحدة من أكثر النقاط حساسية، بعدما أعلنت إسرائيل السيطرة العملياتية عليها وتدمير البنية التحتية والأنفاق الموجودة تحتها.

لكن المشكلة ليست في التلة وحدها. المشكلة في ما تمثّله التلة في معادلة الجنوب: وجود عسكري إسرائيلي من جهة، ورفض حزب الله التخلي عن قدراته العسكرية من جهة أخرى، ودولة لبنانية تحاول استعادة دورها في القرار الأمني والسياسي.

وفي واشنطن وطهران، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا.

إيران طرحت صيغة لإعادة فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام مقابل تخفيف الضغط العسكري والحصار، فيما رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب المقترح بصيغته المطروحة، مع بقاء قنوات التفاوض مفتوحة عبر الوسطاء.

وهنا تكمن أهمية لبنان.

فإذا نجحت الدبلوماسية بين واشنطن وطهران، فقد تتراجع حرارة العديد من الجبهات، ومنها الجنوب اللبناني. أما إذا فشلت، وعادت الضربات المباشرة بين الطرفين، فإن حلفاء إيران في المنطقة قد يجدون أنفسهم أمام واقع جديد، وحزب الله سيكون في قلب هذه المعادلة.

وفي اليمن والخليج، لا تزال المواجهة مع الحوثيين تضيف بُعدًا آخر إلى الأزمة، خصوصًا مع ارتباطها بأمن الملاحة ومضيق باب المندب، بالتوازي مع أزمة مضيق هرمز.

وهكذا أصبحت المنطقة أمام معادلة شديدة التعقيد:

هرمز في الشرق، باب المندب في الجنوب، والجنوب اللبناني في قلب المواجهة مع إسرائيل.

لكن وسط كل ذلك، يبقى لبنان أمام خيار مختلف: الدبلوماسية.

فالمطلوب ليس أن ينتظر لبنان نتائج الصراع بين القوى الكبرى، ثم يكتشف أنه دفع الثمن. المطلوب أن يستخدم المسار السياسي القائم لتثبيت الانسحاب الإسرائيلي، وحماية حدوده، وتعزيز دور الجيش اللبناني، وإنهاء حالة التداخل بين الساحة اللبنانية والصراعات الإقليمية.

السؤال لم يعد فقط: هل ستندلع حرب جديدة؟

السؤال الأهم هو:

هل يستطيع لبنان أن يمنع الآخرين من تحويل أرضه مرة جديدة إلى ساحة لتصفية الحسابات؟

حتى الآن، لا توجد مؤشرات مؤكدة على اندلاع حرب شاملة جديدة في لبنان. لكن استمرار الاحتكاكات في الجنوب، وبقاء ملف علي الطاهر مفتوحًا، وتعقّد المواجهة الأميركية–الإيرانية، يجعل المرحلة المقبلة دقيقة جدًا.

لبنان لا يحتاج إلى حرب جديدة. لبنان يحتاج إلى دولة تملك قرارها، وحدودًا تحميها، وتسوية تنهي الاحتلال وتمنع تحويل أرضه إلى ورقة في صراعات الآخرين…

لبنان أمام فرصة سياسية، لكن الفرص في هذه المنطقة لا تبقى مفتوحة إلى الأبد…

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى