مسلمات عربيات في جيش الاحتلال الإسرائيلي.. بين الهوية والانتماء واختبار الحرب

اعداد وترجمة : هالة ابو سليم
تفتح تجربة عدد من المجندات والجنود المسلمين العرب داخل جيش الاحتلال الإسرائيلي بابًا شديد التعقيد حول الهوية والانتماء والاندماج والصراع، خصوصًا بالنسبة إلى من اختاروا الانضمام إلى مؤسسة عسكرية يخوض جيشها حربًا مفتوحة في غزة.
وتتناول شهادات نشرتها صحيفة «واي نت» الإسرائيلية تجارب مجندات مقاتلات مسلمات، تحدثن عن أسباب التحاقهن بالجيش، ومواقف عائلاتهن الرافضة للقرار، وكيف تعاملن مع مظاهر العنصرية تجاه العرب داخل المؤسسة العسكرية، وكذلك موقفهن من أداء النشيد الوطني الإسرائيلي «هاتيكفاه»، الذي يحمل دلالات قومية يهودية واضحة.
وبحسب المادة، لا يتجاوز عدد المسلمات العربيات اللاتي يخدمن كمقاتلات في الجيش الإسرائيلي ثلاث مجندات، الأمر الذي يجعل تجربتهن استثنائية ومثيرة للجدل داخل المجتمعين العربي والإسرائيلي في آن واحد.
تقول إحدى المجندات، التي اكتفى التقرير بالإشارة إليها بالحرف «ح»، إنها واجهت موقفًا صادمًا خلال فترة تدريبها الأساسي في فيلق الدفاع الحدودي.
كانت الوحدة تقيم داخل القاعدة خلال عطلة السبت، وكانت تجلس إلى مائدة الطعام مع زميلاتها عندما أطلقت إحدى المجندات تعليقًا عن العرب، قائلة إن الأمر يشبه دخول العرب وقتل اليهود واغتصاب النساء.
تقول «ح» إنها صُدمت من العبارة وسألت زميلتها: «من تقصدين بقولك أنتم؟»، فأجابتها: «أنتم العرب».
وردت عليها بأن عليها أن تصحح كلامها، مؤكدة أن من ارتكبوا تلك الجرائم، بحسب وصفها، هم «إرهابيون»، وليس العرب جميعًا.
غادرت المجندة المكان وهي غاضبة، ثم أبلغت قادتها بما حدث. وتقول إن الواقعة انتهت بإجراءات تأديبية ضد المجندة التي أطلقت التصريحات.
لكن «ح» لم تعتبر الواقعة نهاية الأمر، بل قررت تحويلها إلى فرصة لمواجهة الصورة النمطية عن العرب داخل الوحدة.
بعد انتهاء تدريبها وانضمامها إلى السرية، طلبت من قائدها جمع الجنود والجنودات في لقاء مباشر معها. وقالت لهم إنها مسلمة عربية نشأت في قرية إسلامية، وإن انتماءها العربي والإسلامي ليس أمرًا تخجل منه.
وأكدت أمام نحو مئة جندي وجندية أنها لا ترى أن كل العرب إرهابيون، ولا أن العرب يريدون قتل اليهود، وقالت إنها انضمت إلى الجيش للمساهمة في الدولة، داعية زملاءها إلى سؤالها مباشرة عن أي أمر لا يفهمونه بشأن هويتها أو مجتمعها.
وتقول إن الجنود صفقوا لها عقب حديثها.
لكن قصة المجندة ليست الوحيدة.
يروي التقرير أيضًا قصة الرقيب «م»، الذي قرر الالتحاق بالجيش مقاتلًا رغم معارضة أسرته.
عندما أخبر عائلته بقراره، واجه اعتراضًا من الجميع تقريبًا. جدته تساءلت عن دوافعه، بينما حذرت والدته من مخاطر الحرب، وطالبه والده بأن يبحث عن العمل ومستقبله بدلًا من الذهاب إلى الجيش.
أما هو، فكان يرى أن الخدمة العسكرية نوع من المساهمة في الدولة، وقال لوالده إن الالتزام بالتجنيد ينبغي أن ينطبق على الجميع.
وسألته والدته عن موقفه إذا التقى أحد أقاربه في ساحة القتال، وما إذا كان يمكن أن يجد نفسه في مواجهة شخص يعرفه.
ويقول «م» إنه إذا واجه مشتبهًا به أو موقفًا يهدد حياته أو حياة زملائه فسوف يتصرف وفق التدريب الذي تلقاه، مؤكدًا أنه يرى نفسه في النهاية جنديًا مقاتلًا ولا مكان للتردد في المواقف التي يعتبرها تهديدًا مباشرًا.
ويبلغ «م» من العمر 19 عامًا، وهو الابن الأكبر في أسرته. درس في مدرسة ابتدائية إسلامية ثم في مدرسة ثانوية مختلطة، ويقول إن الشباب في المدينة العربية التي نشأ فيها كانوا يواجهون خيارات محدودة، من بينها العمل أو الانجرار إلى عالم الجريمة.
لكن مساره تغير عندما التقى في الصف العاشر بمدرب من حركة «أهاراي»، وهي حركة تقدم تدريبات بدنية وقتالية وتهيئ الشباب للخدمة العسكرية.
يقول إن المدرب أقنعه بتجربة التدريب، فالتحق به أول الأمر لفترة قصيرة، لكنه استمر في الحركة ثلاث سنوات، واختلط بشباب من خلفيات مختلفة، بينهم إثيوبيون ومسلمون ومسيحيون، قبل أن يقرر أن مستقبله سيكون في الخدمة القتالية.
وتتخذ الشهادة الثالثة منحى أكثر حساسية، إذ يتحدث الرقيب «م»، وهو بحسب التقرير المسلم الوحيد في كتيبته، عن مشاركته في العمليات العسكرية داخل غزة.
يقول إنه خدم أولًا في منطقة ناحال عوز لمدة خمسة أشهر، ثم انتقل إلى قطاع غزة، وإن معرفته باللغة العربية جعلته عنصرًا تستخدمه الوحدة في استجواب الأشخاص الذين يتم احتجازهم أو الاشتباه في عبورهم الخط الفاصل.
ويروي واقعة يقول فيها إن رجلًا مسنًا عبر الخط الأصفر في شمال قطاع غزة، بالقرب من بيت حانون، فتم احتجازه واستجوابه قبل نقله إلى مرحلة أخرى من التحقيق.
كما يتحدث عن واقعة أخرى قال فيها إن طفلًا في الثانية عشرة من عمره عبر الخط، مدعيًا أن عناصر من حركة حماس أعطوه المال وأجبروه على القيام بذلك.
وعندما سُئل عن احتمال اضطراره إلى إطلاق النار على شخص في غزة، أجاب بأنه سيطلق النار إذا اعتبر أن الموقف يستدعي ذلك، لكنه قال في الوقت نفسه إنه لا يستطيع إطلاق النار على مدني بريء أو امرأة تحمل طفلًا أو رجل مسن لا يشكل تهديدًا.
وفي شهادة أخرى، يقول أحد الرقباء إنه لن يقبل تنفيذ أمر يطالبه بدخول مسجد وهو يحمل سلاحًا ويرتدي حذاءه العسكري، حتى لو أدى رفضه إلى دخوله السجن، مؤكدًا أن هذا موقف مرتبط بهويته الدينية.
وفي المقابل، قال رقيب آخر إنه لا يرى أمرًا عسكريًا لا يمكنه تنفيذه، مستثنيًا إطلاق النار على فتاة صغيرة من دون مبرر.
أما إحدى المجندات فتقول إن أصعب ما تواجهه ليس كونها جندية مقاتلة، وإنما كونها امرأة في المجتمع العربي الذي تنتمي إليه.
وتصف ما تعتبره قيودًا اجتماعية على النساء، وترى أن الجيش يمنحها، على حد قولها، مساحة تشعر فيها بالاحترام والحماية، وأنها تُقيّم على أساس قدراتها وليس جنسها.
وفي ما يتعلق بالخدمة داخل وحدة مختلطة بين الرجال والنساء، تقول إن أماكن الإقامة منفصلة، وإن التعامل اليومي يتم في إطار منضبط، وإنها لا تسمح لأحد بتجاوز الحدود معها.
لكن الخدمة لا تعني بالنسبة إليها اختفاء العنصرية.
فهي تقول بوضوح إن التمييز ضد العرب داخل المجتمع الإسرائيلي يزعجها، لكنها تجد نفسها في الوقت نفسه أمام اتهام معاكس داخل المجتمع العربي، باعتبارها عربية تخدم في الجيش الإسرائيلي.
وهكذا تجد نفسها، بحسب شهادتها، في مساحة شديدة التناقض: ليست مقبولة بالكامل لدى المجتمع الذي تنتمي إليه، ولا محصنة من العنصرية داخل المؤسسة التي اختارت الخدمة فيها.
وتقول إن أكبر مخاوفها هو أن يتعرف فلسطينيون إلى هويتها العسكرية، وأن يؤدي ذلك إلى الانتقام من أسرتها بسبب اختيارها.
وبعد أحداث السابع من أكتوبر، ازدادت مخاوفها من احتمال تعرضها للاختطاف، خصوصًا أنها تجمع بين كونها عربية مسلمة وكونها جندية مقاتلة في الجيش الإسرائيلي، وهو ما يجعلها، بحسب تقديرها، هدفًا أكثر حساسية في حالة وقوعها في الأسر.
وتكشف هذه الشهادات في النهاية عن تجربة إنسانية وسياسية شديدة التعقيد؛ فهؤلاء الأشخاص لا يتعاملون مع الجيش باعتباره مؤسسة عسكرية فقط، وإنما يرونه أيضًا طريقًا إلى الاندماج وإثبات الذات والحصول على مكانة اجتماعية، في الوقت الذي يضعهم فيه اختيارهم أمام صراع مباشر مع جزء من مجتمعهم الأصلي ومع واقع سياسي وعسكري بالغ القسوة.
والسؤال الذي تتركه هذه التجارب ليس فقط: لماذا ينضم عربي أو مسلم إلى جيش الاحتلال؟ بل أيضًا: كيف يمكن للهوية أن تتعايش مع مؤسسة عسكرية تخوض حربًا يعتبرها المجتمع الذي ينتمي إليه الشخص نفسه حربًا ضده؟
تعليق نقدي وتحليلي
هذه المادة تحتاج إلى قراءة تتجاوز التعاطف أو الإدانة السريعة؛ لأنها، في جوهرها، لا تقدم فقط قصصًا لجنود عرب ومسلمين اختاروا الخدمة في الجيش الإسرائيلي، وإنما تكشف عن معركة أخرى تدور داخل الإنسان نفسه: معركة الهوية والانتماء والمصلحة والبحث عن المكان.
أول ما يستوقف في الروايات أن أصحابها يقدمون الخدمة العسكرية باعتبارها طريقًا إلى الاندماج والاعتراف الاجتماعي. وهذا يكشف جانبًا مهمًا من قدرة الدولة على استيعاب قطاعات من مواطنيها داخل مؤسساتها، حتى عندما يكون هؤلاء جزءًا من أقلية تحمل هوية قومية ودينية مختلفة.
لكن هنا تحديدًا يجب التوقف نقديًا.
الاندماج في مؤسسة الدولة شيء، والمشاركة في حرب شيء آخر.
فالجندي العربي المسلم الذي يدخل الجيش بحثًا عن التعليم أو العمل أو المكانة الاجتماعية قد يبدأ تجربته باعتبارها مشروعًا شخصيًا، لكنه بمجرد ارتداء الزي العسكري يصبح جزءًا من مؤسسة تستخدم القوة المسلحة، وتتحول قراراته الفردية إلى جزء من قرار عسكري أكبر منه.
وهذا يظهر بوضوح في إحدى الشهادات نفسها: حين يقول الجندي إنه إذا واجه موقفًا يهدد حياته أو حياة زملائه فسوف يطلق النار «دون تردد». هنا تختفي المسافة بين الاختيار الشخصي وبين المؤسسة العسكرية؛ لأن الجندي لا يعود يتصرف باعتباره عربيًا أو مسلمًا فقط، وإنما باعتباره جزءًا من سلسلة قيادة وأوامر وقواعد اشتباك.
والأخطر أن المادة تقدم لنا صورة تبدو في ظاهرها إنسانية جدًا: جندي مسلم، يتحدث العربية، يستجوب فلسطينيين، ويحاول في الوقت نفسه أن يضع لنفسه خطوطًا حمراء دينية وأخلاقية. لكن هذه الصورة لا تلغي السؤال الأكبر: ماذا يحدث عندما يتعارض الضمير الفردي مع الأمر العسكري؟
هنا تصبح الإجابة أكثر تعقيدًا من مجرد القول: «أنا مسلم ولذلك لن أفعل كذا».
فالجيش في النهاية مؤسسة تقوم على الطاعة والانضباط، ولذلك فإن قيمة الخطوط الحمراء لا تظهر عندما يكون تنفيذها سهلًا، وإنما عندما يصبح رفض الأمر مكلفًا.
ومن اللافت أيضًا أن التقرير الإسرائيلي يترك مساحة كبيرة لشهادات هؤلاء الجنود كي يقدموا أنفسهم بوصفهم أشخاصًا يبحثون عن المساواة والاحترام والفرصة. وهذه زاوية إعلامية تستحق القراءة بعين نقدية؛ لأن إبراز قصص العرب والمسلمين الذين يخدمون في الجيش يمكن أن يؤدي وظيفة أخرى أيضًا، وهي تقديم صورة عن إسرائيل باعتبارها دولة قادرة على استيعاب مواطنين من خلفيات مختلفة داخل مؤسساتها.
وهنا ينبغي ألا نقرأ التقرير باعتباره شهادة محايدة تمامًا، بل باعتباره مادة صحفية منشورة في وسيلة إعلام إسرائيلية، تحمل بالضرورة زاوية اختيار وانتقاء في تقديم التجربة.
وفي المقابل، فإن تجاهل الأسباب الاجتماعية التي تدفع بعض الشباب العرب إلى هذا المسار سيكون خطأ أيضًا. فالشهادات تتحدث عن البحث عن العمل، وعن الخوف من الانحراف والجريمة، وعن الرغبة في اكتساب مهارات ومستقبل ومكانة اجتماعية. وهذه أسباب لا ينبغي السخرية منها، بل ينبغي مواجهتها بالسؤال الأصعب:
ماذا فعلت المجتمعات العربية بشبابها حتى أصبح بعضهم يرى مستقبله داخل مؤسسة عسكرية لدولة تختلف معه في الهوية والصراع؟
هذه هي النقطة التي تتجاوز قصة المجند أو المجندة.
فالمشكلة ليست فقط في الشخص الذي اختار طريقه، وإنما في البيئة التي صنعت الخيارات المتاحة أمامه. وعندما يشعر شاب بأن المؤسسة العسكرية تمنحه التدريب والاحترام والفرصة والانضباط والمستقبل، بينما لا يجد هذه العناصر بالقدر نفسه في مجتمعه، فإن القضية تتحول من قضية ولاء فردي إلى قضية دولة ومجتمع وتنمية وعدالة اجتماعية.
ولهذا فإن القراءة العربية الجادة لهذه الشهادات يجب ألا تكتفي بعبارة «خيانة» أو «بطولة»، لأن كلا الحكمين السريعَين يهربان من السؤال الحقيقي.
السؤال الحقيقي هو: كيف نصنع دولة تجعل أبناءها يرون مستقبلهم وكرامتهم وفرصهم داخل وطنهم، لا في مؤسسة عسكرية تنتمي إلى الطرف الآخر من الصراع؟
وهنا تحديدًا يصبح الخبر أكبر من حكاية ثلاثة جنود مسلمين في الجيش الإسرائيلي؛ يصبح مرآة قاسية أمام المجتمعات العربية نفسها.
ليس المطلوب أن نفهم اختيارهم لكي نبرره، وإنما أن نفهم لماذا أصبح هذا الاختيار ممكنًا أصلًا.