إلى أين نذهب؟ لبنان بين نار الجنوب وحرب الناقلات

بقلم : د.ليون سيوفي باحث وكاتب سياسي

صحونا اليوم على سبعة قتلى في جنوب لبنان، بعد إطلاق حزب الله مسيّرتين باتجاه القوات الإسرائيلية، فردّت إسرائيل بغارات واسعة طالت مناطق في النبطية وعربصاليم، فيما دخلت المواجهة الأميركية ـ الإيرانية مرحلة أخطر مع استهداف ناقلات نفط في محيط مضيق هرمز.
لم يعد ما يجري مجرد جولة تصعيد عابرة. المنطقة دخلت فعلياً في مرحلة حرب متعددة الجبهات، يتداخل فيها لبنان مع إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، بينما يدفع المدنيون الثمن.
في الجنوب، أصبحت إسرائيل تتعامل مع المنطقة الأمنية التي أنشأتها كأمر واقع، وتربط أي انسحاب منها بنزع سلاح حزب الله. وبعد سيطرتها على تلة علي الطاهر، أعلنت أنها ستواصل تدمير الأنفاق وتثبيت انتشارها وفق ما تراه مناسباً، وهو ما يعني أن القضية لم تعد مرتبطة بتلة أو قرية، بل بمستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية.
وفي المقابل، يرد حزب الله عسكرياً، فتأتي الضربة الإسرائيلية التالية أكبر وأشد، ويسقط المدنيون بين الطرفين. هكذا تتحول حياة الجنوبي إلى معادلة عبثية: مسيّرة تُطلق، وغارة تأتي، وبيوت تُدمّر، ثم بيانات تبرر ما حدث.
أما الأخطر فهو أن النار لم تعد محصورة بالجنوب.
في مضيق هرمز، استهدفت الولايات المتحدة ثلاث ناقلات نفط إيرانية، وأعلنت البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني استهداف ناقلات وسفن أخرى، فيما تراجع عبور السفن التجارية في المضيق إلى أدنى مستوى منذ أيار. ومع مرور نحو خمس تجارة النفط العالمية عبر هرمز في الظروف الطبيعية، فإن ما يجري هناك لم يعد مشكلة عسكرية إيرانية ـ أميركية فقط، بل بدأ يتحول إلى أزمة اقتصادية عالمية.
وهنا تكمن خطورة اللحظة.
لبنان لا يقف خارج الحرب، وإيران لم تعد تواجه الولايات المتحدة في ساحة واحدة. كل ضربة في الجنوب يمكن أن تؤثر في حسابات طهران، وكل تصعيد في هرمز يمكن أن ينعكس على إسرائيل ولبنان وأسواق الطاقة، وكل خطأ في الحسابات قد يفتح جبهة جديدة.
والأخطر أن المدني اللبناني أصبح مرة أخرى الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.
سبعة قتلى في يوم واحد ليسوا رقماً في نشرات الأخبار. هؤلاء أناس لهم بيوت وعائلات وأسماء وحياة كانت مستمرة قبل أن تتحول أرضهم إلى ساحة رسائل عسكرية وسياسية. وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن إطلاق المسيّرات من لبنان يعطي إسرائيل ذريعة جاهزة لتوسيع عملياتها، كما لا يمكن قبول أن يتحول الجنوب إلى صندوق بريد في الصراع الإيراني ـ الإسرائيلي.
لبنان اليوم أمام حقيقة قاسية، كلما توسعت الحرب بين إيران وأميركا، أصبح هامش المناورة اللبناني أضيق. وكلما بقي الجنوب ساحة مفتوحة، بقيت الدولة اللبنانية عاجزة عن حماية مواطنيها ومنع الآخرين من استخدام أرضها في حروبهم.
أما مضيق هرمز، فقد نقل المواجهة إلى مستوى آخر: النفط، الملاحة، الأسعار، الاقتصاد العالمي. ومع ارتفاع سعر برنت إلى نحو 97 دولاراً وتراجع حركة السفن، بدأت الحرب تُترجم مباشرة إلى فاتورة يدفعها العالم كله.
لذلك، السؤال الحقيقي لم يعد من سيربح هذه الجولة؟
السؤال هو، كم جولة أخرى يستطيع لبنان والمنطقة والعالم تحمّلها قبل أن تتحول الحرب من رسائل متبادلة إلى انفجار إقليمي لا يستطيع أحد التحكم به؟
والمؤسف أن لبنان، كما في كل مرة، يبدو كأنه يقف في منتصف الطريق بين حروب الآخرين، بينما أبناء الجنوب هم أول من يدفع الثمن…

لبنان بين نار إيران وأميركا ومخاطر الحرب الإسرائيلية

هل يتحول الجنوب اللبناني إلى ساحة الحرب التالية؟

لم يعد ما يجري في المنطقة حروبًا منفصلة، بل صراعًا واحدًا تتداخل فيه إيران وأميركا وإسرائيل، فيما يقف لبنان مرة جديدة في قلب النار، مهددًا بأن يدفع ثمن مواجهة أكبر من قدرته على تحملها.

التصعيد بين واشنطن وطهران يفتح الباب أمام انتقال المواجهة إلى ساحات أخرى، والجنوب اللبناني يبقى الأخطر، لأن إسرائيل تعتبره جبهة أساسية في مواجهة حزب الله، فيما ترى إيران في المقاومة اللبنانية ورقة أساسية في معادلة الردع.

وهنا لا يمكن تجاهل المقاومة أو اختزالها بكلمة «سلاح». فالمقاومة جزء من الواقع اللبناني، ولها دور أساسي في مواجهة الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية، ولا يمكن التعامل معها وكأنها تفصيل يمكن شطبه من المعادلة بقرار أميركي أو إسرائيلي.

لكن في المقابل، لا يجوز أن يتحول لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات بين إيران وإسرائيل أو بين إيران وأميركا. المقاومة تحمي لبنان، ولبنان يجب أن يحمي المقاومة من أن تصبح ذريعة لتدميره.

ما يجري حول علي الطاهر يجب أن يثير القلق، لأن أي تصعيد إسرائيلي واسع في الجنوب قد يفتح الباب أمام رد من المقاومة، والرد قد يستدعي ردًا أكبر، وقد تدخل إيران بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وعندها يصبح لبنان أمام حرب لا يعرف أحد أين تبدأ وأين تنتهي.

وهنا السؤال الحقيقي ليس، هل نحن مع المقاومة أم ضدها؟
السؤال هو، كيف نحمي لبنان، ونحافظ على حقه في المقاومة، ونمنع في الوقت نفسه تحويل أرضه إلى جبهة مفتوحة لحرب إقليمية؟

لا نريد لبنان منزوع القوة أمام إسرائيل، ولا نريد لبنان مستباحًا من إسرائيل، ولا نريد في الوقت نفسه أن يكون لبنان ورقة في يد إيران أو أميركا. نريد دولة قوية، ومقاومة قوية، وقرارًا وطنيًا يحمي الاثنين بدل أن يضعهما في مواجهة بعضهما.
فإسرائيل لا يحق لها أن تجعل من وجود المقاومة مبررًا لاحتلال الأرض اللبنانية أو استباحة السيادة، كما أن أي طرف آخر لا يحق له أن يجعل من لبنان منصة لحرب تتجاوز مصالحه الوطنية.
لقد دفع اللبنانيون ثمن الحروب بما يكفي. بيوتهم دُمرت، اقتصادهم انهار، وشبابهم هاجروا. وإذا اندلعت حرب جديدة، فلن تدفع طهران وحدها ثمنها، ولن تدفع واشنطن ثمنها، ولن تدفع تل أبيب ثمنها وحدها.
اللبنانيون هم من سيدفعون الثمن الأكبر.
لذلك، المطلوب اليوم ليس الاستسلام ولا إلغاء المقاومة، بل منع تحويل لبنان إلى صندوق بريد للصواريخ والرسائل السياسية.
إذا أرادت إيران مواجهة أميركا وإسرائيل، فلها حساباتها. وإذا أرادت أميركا مواجهة إيران، فلها حساباتها. وإذا أرادت إسرائيل ضرب المقاومة، فلها حساباتها.

أما نحن، فلدينا حساب واحد…لبنان أولًا.
نحمي أرضنا، نتمسك بحقنا في المقاومة، ندعم جيشنا ودولتنا، ونرفض الاحتلال والاعتداء الإسرائيلي، لكننا نرفض أيضًا أن يكون وطننا ساحة لحرب الآخرين.
فالمقاومة جزء من قوة لبنان، والدولة إطار سيادته، والشعب هو الذي يجب أن يكون أولًا في حسابات الجميع.

لبنان ليس ساحة لإيران.
وليس ساحة لأميركا.
وليس ساحة لإسرائيل.
لبنان وطن… ومن حق هذا الوطن أن يعيش، وأن يقاوم، وأن يقرر مصيره بنفسه.
لبنان أولًا… لا تابعًا لمحور، ولا مستسلمًا لعدو، ولا ساحةً لحرب الآخرين…

د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى