من مجتمع التوك توك إلى مجتمع التيك توك.. إنت رايح فين يا شعب؟

(الكارثة قادمة) .. رحلة صعود وانهيار اخلاق الطبقة الوسطى .. و الـ “نص في المية”
والأخطر: في الأخلاق.. سقوط القناع ؟؟!!
من الملكية إلى مجتمع الـ “نص في المية” انت موقفك ايه؟
تاريخ مصر الحديث ليس مجرد تاريخ سياسي، بل هو تاريخ صراع طبقي طويل حول من يملك، ومن يحكم، ومن يُحتقر.
كنا مجتمع المحترمين اصبحنا مجتمع ..
توك توك ماشي بالعافية، بيزمر، بيخبط، بيحشر نفسه في أي حتة، لكنه في الآخر كان بيستر. كان وسيلة الغلبان اللي بيجري على أكل عيشه. كان بيمثل فوضى الفقر، لكن فوضى شريفة، فوضى واحد بيحاول يعيش.
وفجأة.. وبدون مقدمات.. إنت رايح فين يا شعب؟
كنت بتنتج.. بقيت تستهلك وتستعرض.
كنت بتخبي بنتك من نظرة.. بقيت بتصورها وهي بترقص عشان تجيب مشاهدات وتقبض بالدولار.
كنت بتتكسف تقول “معييش”.. بقيت بتتتباهى وأنت بترمي فلوس في الهوا في لايف وتقول “كبسو يا رجالة”.
التحول ده مش صدفة. ده مشروع كامل لتحويل شعب كان قوامه الطبقة الوسطى اللي بتحفظ كتاب الله وتقرأ طه حسين وتسمع أم كلثوم، إلى شعب قوامه طبقة الهشك بشك اللي حافظة مهرجانات، وبتعبد الترند، ومستعدة تبيع أي حاجة عشان تتشهر.
من مجتمع كان بيقول “عيب” و “ما يصحش” و “الناس تقول علينا إيه”، لمجتمع بيقول “إيه المشكلة؟” و “دي حرية شخصية” و “خليك في حالك”.
من مجتمع كان أقصى أحلامه إن ابنه يبقى دكتور أو مهندس، لمجتمع أقصى أحلامه إن ابنه يبقى بلوجر أو بنته تبقى موديل.
الكارثة مش إننا فقرنا.. الكارثة إننا فرغنا.
فقر زمان كان معاه ستر وشهامة وجدعنة.
فقر دلوقتي بقى معاه عري وتفاهة وقلة حيا.
كنا أغنية أخلاق.. ودي الأهم
كنا أغنية عشان كان عندنا “عيب”.
الغني كان غني بس كان عنده أخلاق الباشا.. يبني مستشفى، يبني مسجد، يعمل سبيل مية، يوقف أرض لله. حتى الحرامي كان عنده شرف.. يسرق القصر ويسيب قوت الغلابة.
البنت كانت تمشي في الشارع من شبرا للعتبة وشنطتها مفتوحة ومحدش يلمسها. عشان كان فيه “نخوة”. الراجل كان يشوفها يقول “دي زي أختي”.
المدرس كان اسمه “الأستاذ” وله هيبة الوزير. التلميذ يقوم يقف لو شافه في الشارع.
الجارة كانت تطبخ وتخبط على جارتها “دوقي ملحي”. دلوقتي الجار ما يعرفش اسم جاره اللي في وشه.
إيه اللي حصل؟
الفلوس راحت وده عادي.. الفلوس بتروح وتيجي. إنما الأخلاق لما راحت.. خربت كل حاجة.
بقينا أفقر مادياً وأفقر أخلاقياً.
زمان كنا بنقول “الفقر مش عيب.. العيب قلة الأصل”. دلوقتي بقينا بنشوف قلة الأصل هي اللي بتجيب الفلوس!
اللي بيقل أدبه بيشتهر، اللي بتعري نفسها بتقبض، اللي بيسب الدين بيطلع ترند، واللي ماسك على أخلاقه بيتقال عليه “دقة قديمة” و “مش مواكب”.
كنا أغنية وكانت أخلاقنا هي البنك اللي ساندنا. لما البنك ده فلس.. فلسنا كلنا حتى لو معانا فلوس في الجيب.
كنا بنقول “الجادع رزقه واسع”. دلوقتي بقينا بنقول “الهشك بشك رزقه واسع”.
من التوك توك للتيك توك.. المسافة مش بعيدة في الحروف، لكنها مسافة ضوئية في القيم.
فـ إنت رايح فين يا شعب بجد؟
———————————
1- مجتمع ما قبل 1952: دولة الـ 1% المقدس
في ظل الملكية، كان المجتمع المصري هرماً حاداً وقاسياً.
القمة: أسرة محمد علي، وحوالي 300 أسرة من كبار الملاك يملكون وحدها أكثر من 40% من الأراضي الزراعية الخصبة، والجاليات الأجنبية التي تحتكر البنوك والصناعة.
القاعدة: أكثر من 90% فلاحين حفاة يعملون بالسخرة في أراضي الباشا.
لم تكن هناك طبقة وسطى بمعناها الحديث، بل طبقة “الأفندية” الصغيرة جداً – موظفون، مدرسون، ضباط صغار – تحلم بالتشبه بالباشوات وتكرههم في نفس الوقت. الحواجز لم تكن اقتصادية فقط، بل اجتماعية وجغرافية: الباشا يسكن في قصر على النيل في جاردن سيتي والزمالك، والفلاح لا يدخل القاهرة إلا بتصريح.
كان الانفصال تاماً في السكن واللهو والملابس واللغة نفسها – الفرنسية للطبقة العليا، والعربية المكسورة للفقراء.
2- 23 يوليو 1952: إذابة الفوارق وصهر المجتمع
جاءت ثورة يوليو بفكرة جذرية: تفكيك هذا الهرم بالقوة.
قانون الإصلاح الزراعي 1952: تحديد الملكية بـ 200 فدان، وتوزيع الأرض على الفلاحين. لأول مرة ابن الفلاح يمتلك.
التعليم المجاني والتوظيف: قرار جمال عبد الناصر بمجانية التعليم الجامعي في 1962 وقرار تعيين الخريجين فوراً خلق معجزة اجتماعية: ابن عامل التراحيل أصبح طبيباً ومهندساً وضابطاً.
التصنيع والدولة الراعية: المصانع الحربية، الحديد والصلب، مجمعات المحلة. الدولة أصبحت هي الأب الذي يوظف ويُسكن ويداوي.
النتيجة: لأول مرة في تاريخ مصر، ظهرت الطبقة الوسطى الكبرى. طبقة عريضة تلبس بدلة جيدة، تسكن في شقق الإسكان الشعبي في مدينة نصر والمهندسين، تقرأ، وتذهب للمسرح، وتؤمن أن ابنها يمكن أن يكون أفضل منها. انصهرت الطبقة الإقطاعية القديمة وذابت، أو هربت، أو تكيفت. المجتمع أصبح متجانساً لأول مرة.
3- عصر السادات والانفتاح 1974: ميلاد “القطط السمان”
هذه الطبقة الوسطى الصاعدة تلقت الضربة الأولى مع “الانفتاح الاقتصادي”.
تحولت البوصلة من المصنع إلى الاستيراد. من يملك توكيل ثلاجة أو ورق تواليت يصبح مليونيراً بين عشية وضحاها دون جهد إنتاجي. ظهر مصطلح جديد في قاموس المصريين: أغنياء الانفتاح أو “القطط السمان”.
بدأ الانفصال من جديد، لكن هذه المرة بشكل استهلاكي فجّ: عمارات بلكوناتها زجاج عاكس في المهندسين، سيارات مرسيدس، وكباريهات طريق الهرم. لأول مرة يعود سؤال “من أين لك هذا؟” بقوة، وكانت الإجابة دائماً ضبابية: عمولة، توكيل، صفقة.
لكن الطبقة الوسطى الناصرية ظلت صامدة لأن الدولة لا تزال تدعمها: الدعم، والوظيفة الميري، والتعاونيات.
4- عصر مبارك 1981-2011: الثبات الظاهري والتآكل الخفي
عصر مبارك هو عصر الازدواجية. ظاهرياً، الطبقة الوسطى في أوج اتساعها: كل بيت فيه تلفزيون ملون، ابن في كلية خاصة، شقة في مدينة 6 أكتوبر. لكن داخلياً كانت تتآكل.
الدولة تخلت تدريجياً عن دورها: خصخصة الشركات، إلغاء التعيين، تدهور التعليم الحكومي والصحة. لكي تحافظ على مستواك كطبقة وسطى، كان عليك أن تدفع: دروس خصوصية، مستشفى خاص، جمعية لشراء شقة.
ورغم ذلك، ظلت الطبقة الوسطى هي الحَكَم الأخلاقي للمجتمع. هي التي تحدد ما هو “عيب” وما هو “أصول”. كان الغني لا يزال يستحي، ويسكن بجانب متوسط الحال في نفس العمارة، ويذهب لنفس النادي، وأولاده في نفس المدرسة.
5- ما بعد 2011: عودة مجتمع النصف في المية والانفصال الكامل
هنا وقع القطع التاريخي الأخطر.
بعد 2011، ومع تعويم الجنيه، والطفرة العقارية الجديدة، وتوحش اقتصاد الخدمات والكومباوند، لم نعد نتحدث عن 1%، بل عن مجتمع النصف في المية.
هذا المجتمع الجديد انفصل انفصالاً وجودياً عن مصر:
في السكن: لم يعد يسكن في حي راقي داخل المدينة، بل خارجها تماماً. سور، وبوابات، وأمن خاص، وبحيرات صناعية. مدينة داخل مدينة. هو لا يرى الشارع المصري أصلاً.
في اللهو والسفر: الساحل “الطيب” للطبقة الوسطى، والساحل “الشرير” للأغنياء. المطعم الذي ثمن الطبق فيه يساوي راتب موظف كامل، والحفلة التي ثمن تذكرتها 500 ألف جنيه.
في اللغة والملابس: إنجليزية كاملة في وسط الحديث، براندات لا يمكن تمييزها إلا من طباعة صغيرة، واحتقار معلن لكل ما هو محلي.
والأخطر: في الأخلاق: هنا ظهرت جملة لم يسمعها المصريون من أيام الملكية: “ديته كام؟”
حين يدهس شاب ثري بسيارته الفارهة مواطناً بسيطاً ثم يخرج محاميه ليقول “نشوف ديته كام وندفع”، نحن لسنا أمام حادثة فردية، بل أمام انهيار عقد اجتماعي. هذه الجملة تعني: أنا فوق القانون، فوق المساءلة، وفوق حتى الشعور بالذنب. حياة الإنسان أصبحت لها تسعيرة.
ظهرت ملامح الاستهتار واللامبالاة: فيديوهات حفلات تُلقي بالأموال، سيارات تدوس الزرع في المنتزهات، سخرية من لهجة الفلاح والصعيدي، وتعامل الخدم كأشياء لا كبشر واشجار يتم نقطيعها لصالح من .. ومن اجل اى شئ لا احد يعمل!!!.
الطبقة الغنية القديمة كانت إقطاعية لكنها كانت تعرف الفلاح بالاسم، وتعطيه موسمه. الطبقة الغنية الجديدة لا تعرفه أصلاً ولا تريد أن تعرفه. هي لا تكره الفقير، وهو الأخطر، هي لا تراه من الأساس.
الخلاصة أن مصر دارت دورة كاملة. من مجتمع شديد الانقسام قبل 1952، إلى مجتمع منصهر ومتجانس قوامه الطبقة الوسطى، ثم عادت اليوم لتتشكل طبقة مغلقة أكثر انغلاقاً من طبقة الباشوات، لكن دون ثقافتهم أو مسؤوليتهم الاجتماعية.
الخطر الحقيقي ليس في الفقر، فالمصري تعايش مع الفقر دائماً، الخطر في أن يشعر الفقير والطبقة الوسطى المنهارة أن هذا البلد لم يعد بلده، وأن هناك بلداً آخر مسوراً داخل البلد لا يدخله إلا بكارنيه.
والأخطر: في الأخلاق.. سقوط القناع ؟؟!!
هنا ظهرت الجملة التي لم يسمعها المصريون منذ أن كان الباشا يجلد الفلاح:
“ديته كام؟ نشوف محامي ونخلص”.
هذه ليست زلة لسان مراهق متهور. هذه عقيدة طبقية جديدة. حين يدهس شاب بسيارة ثمنها 8 مليون جنيه، اشتراها من مصروف جيبه، مواطناً بسيطاً يعمل دليفري بـ 150 جنيهاً في اليوم، ثم لا ينزل حتى من السيارة، بل يتصل بوالده، فيتصل والده بمحامٍ يتصل بجهات قانونية، فهذه ليست حادثة سير. هذا إعلان حرب طبقية.
الجملة معناها الحرفي: أنا اشتريت القانون، واشتريت حياة هذا الإنسان. حياته لها تسعيرة في قاموسي، مثلها مثل فردة كاوتش السيارة.
لقد سقطت ورقة التوت تماماً وظهرت ملامح المسخ:
1. استهتار إجرامي:
فيديوهات تيك توك لأبناء الـ 0.5% يرمون رزم الدولارات في حمامات السباحة، ويرشون الشمبانيا على الأرض، بينما 32.5% من المصريين تحت خط الفقر رسمياً حسب جهاز التعبئة والإحصاء CAPMAS، و60% من الشعب مصنف “فقير أو عرضة للفقر” حسب البنك الدولي.
2. انفصال مكاني عنصري:
لم يعد الأمر مجرد كومباوند، بل نظام فصل عنصري اجتماعي. هو لا يمشي في شارعك، لا يشرب من ماءك، لا يركب ميكروباصك، ولا يدفن في مقابر صدقة مثلك. أشجار عمرها 40 سنة في الزمالك تُقطع في ليلة لصالح كوبري سياراته هو فقط ستمر عليه. حدائق عامة تُباع، ونيل يُحجب بأسوار. لا أحد يعمل؟ لا، أحد يعمل لهم فقط.
3. احتقار ثقافي معلن:
السخرية من لهجة الفلاح والصعيدي، التي كانت تملأ مصر خيراً، أصبحت مادة للكوميديا في حفلاتهم. الخادمة تُنادى باسم “الشغالة” كشيء، والسائق يُضرب، وفرد الأمن يُهان لأنه طلب كارنيه دخول.
والأرقام تفضح حجم الكارثة التي لا يريدونك أن تراها:
10% فقط من الشعب يستحوذون على 48% من إجمالي الدخل في مصر، بل إن دراسات الثروة تؤكد أن أغنى 10% يملكون أكثر من 70% من ثروة مصر كلها. في المقابل، أفقر 10% لا يحصلون إلا على الفتات.
الطبقة الإقطاعية القديمة كانت لصوصاً لكنهم كانوا لصوصاً يعرفون ضحاياهم. الباشا كان يعرف اسم كل فلاح في عزبته، يعطيه “الموسم” في العيد، ويعالجه إذا مرض لأنه رأس ماله. كان استغلالاً أبوياً قاسياً لكنه كان استغلالاً فيه الحد الأدنى من المسؤولية.
أما إقطاعيو الكومباوند الجدد، فهم طبقة طفيلية بلا جذور ولا مسؤولية. ثروتهم لم تأت من أرض زرعوها أو مصنع بنوه، بل من سمسرة، ومضاربة على أرض الدولة، وعمولة استيراد. لذلك هو لا يعرف الفقير ولا يريد أن يعرفه. هو لا يكرهك، وهذه هي المأساة الأكبر.. هو لا يراك أصلاً. أنت شفاف. أنت غير موجود في عالمه.
مصر دارت دورة كاملة لتعود لنقطة أسوأ من البداية. من مجتمع كان 1% يملك كل شيء، إلى مجتمع حاول أن يجعل 80% يملكون شيئاً وهو مجتمع الطبقة الوسطى، إلى مجتمع اليوم حيث نصف في المية يعيش في فقاعة مسورة بالكاميرات والبودي جاردات، يظن أن البلد بلده هو فقط، وأن الباقي مجرد ديكور أو خدم أو مشكلة مرورية يجب تجنبها.
الخطر لم يعد الفقر. المصري نام جائعاً وقام يعمل طول عمره. الخطر الحقيقي أن يشعر 70% من هذا الشعب أنهم ضيوف غير مرغوب فيهم في بلدهم، وأن هناك بلداً آخر حقيقياً، مكيفاً، نظيفاً، بلا زحام ولا فقراء، لا تدخله إلا بكارنيه، وكارنيهه ثمنه ليس فلوساً فقط، بل انتماء دموي لعائلة معينة.