عندما يُدان حق الشعوب في المقاومة… من يحاسب الدول المتعدية؟

بقلم : د. ليون سيوفي

باحث وكاتب سياسي

في هذا العالم، يبدو أحيانًا أن هناك قانونًا مكتوبًا على الورق، وقانونًا آخر يُطبَّق في الواقع. يُقال للشعوب: احترموا سيادة الدول، لا تتدخلوا في شؤون الآخرين، والتزموا بالقانون الدولي. لكن السؤال الذي لا يمكن تجاهله هو: أين كانت سيادة الدول عندما تحولت أراضيها إلى ساحات للتدخل الخارجي، وعندما فُرضت عليها العقوبات والضغوط، وعندما أصبحت قراراتها الوطنية خاضعة لإرادة القوى الكبرى؟

كيف يمكن أن نطلب من شعبٍ أن يقف متفرجًا عندما تتعرض بلاده لاعتداء أو احتلال أو تهديد، ثم نعتبر محاولته الدفاع عن أرضه وشعبه هي المشكلة؟

أليس من حق الشعوب أن تدافع عن وجودها وسيادتها؟

نعم، هناك فرق واضح بين الدفاع عن الوطن ومقاومة الاحتلال أو العدوان وبين استهداف المدنيين أو ارتكاب الجرائم. فالقانون الدولي الإنساني لا يعطي أي طرف، دولةً كان أو جماعة مسلحة، رخصة مفتوحة لارتكاب الانتهاكات. المدنيون يجب أن يبقوا خارج دائرة الاستهداف، وجرائم الحرب يجب أن تُحاسَب أيًا كان مرتكبها.

لكن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

لماذا تُطلب من الشعوب أقصى درجات ضبط النفس، بينما تستطيع القوى الكبرى أن تستخدم قوتها العسكرية والسياسية والاقتصادية، ثم تبحث عن العنوان الذي يبرر تدخلها؟

إذا كانت سيادة الدول خطًا أحمر، فلماذا تصبح هذه السيادة مقدسة أمام دولة ضعيفة، ثم تتحول إلى ورقة تفاوض عندما تكون الدولة المقابلة أقوى؟

وإذا كان الاعتداء على دولة مرفوضًا، فلماذا تتغير اللغة عندما يكون المعتدي قوةً عظمى؟

إن القانون الدولي لا يفقد قيمته لأنه موجود، بل يفقد جزءًا كبيرًا من مصداقيته عندما يشعر العالم أن تطبيقه انتقائي.

لا يمكن أن يكون التدخل مرفوضًا عندما تقوم به دولة صغيرة، ومقبولًا أو «ضروريًا» عندما تقوم به قوة كبرى.

ولا يمكن أن يكون المدنيون محميين عندما يكونون ضحايا طرف، ثم يصبح قتلهم مجرد «أضرار جانبية» عندما يكون الطرف الآخر حليفًا أو أقوى سياسيًا.

المعيار يجب أن يكون واحدًا.

إذا كان استهداف المدنيين جريمة، فهو جريمة مهما كانت هوية مرتكبها.

إذا كان العدوان مرفوضًا، فهو مرفوض مهما كان علم المعتدي.

إذا كانت سيادة الدول حقًا، فهي حق للبنان كما هي حق لأي دولة أخرى.

وهنا يجب أن نكون واضحين، الدفاع عن حق الشعوب في المقاومة لا يعني منح أي جماعة مسلحة شيكًا على بياض، كما أن امتلاك الدولة لجيش قوي لا يمنحها حصانة من المحاسبة.

القوة لا تصنع الحق، كما أن الضعف لا يسلب الحق.

المشكلة الكبرى أن النظام الدولي لا يزال في كثير من الأحيان أسير ميزان القوة. الدول الكبرى تمتلك الجيوش والتحالفات والقواعد العسكرية وأدوات الضغط الاقتصادي والسياسي، ثم يُطلب من الشعوب الضعيفة أن تتصرف وكأنها تعيش في عالمٍ متساوٍ بين الجميع.

أي عدالة هذه؟

كيف نطلب من شعبٍ أن يتخلى عن كل وسائل الدفاع عن نفسه، بينما يعيش تحت تهديد مستمر، ثم نعتبر صمته هو الطريق الوحيد إلى «السلام»؟

السلام الحقيقي ليس أن يستسلم الضعيف حتى يرتاح القوي.

السلام الحقيقي هو أن يتوقف القوي والضعيف معًا أمام القانون.

ولهذا يجب أن نتوقف عن السؤال، من حليفنا؟ ومن خصمنا؟

وأن نبدأ بالسؤال، ماذا فعل؟

وهل كنا سنقبل بالفعل نفسه لو ارتكبه الطرف الآخر؟

إذا كانت الإجابة تختلف، فالمشكلة ليست في القانون؛ المشكلة في ازدواجية المعايير.

العالم لا يحتاج إلى المزيد من الخطب عن حقوق الإنسان، بل يحتاج إلى تطبيق هذه الحقوق على الجميع دون تمييز. لا يحتاج إلى المزيد من الشعارات عن السيادة، بل إلى احترام السيادة عندما تكون الدولة ضعيفة كما تُحترم عندما تكون قوية.

فالسيادة ليست امتيازًا تمنحه الدول الكبرى لمن تشاء.

والكرامة ليست حقًا محصورًا بالدول التي تمتلك جيوشًا قوية.

والدفاع عن الوطن ليس جريمة لمجرد أن صاحبه أضعف من خصمه.

لكن في المقابل، لا يمكن تحويل شعار المقاومة إلى غطاء لاستهداف الأبرياء أو انتهاك القانون.

المعادلة واضحة، لا شرعية للعدوان، ولا حصانة لمرتكب الجريمة، ولا انتقائية في حماية المدنيين، ولا قانون يجب أن يكون قويًا على الضعيف وضعيفًا أمام القوي.

إما أن يكون القانون الدولي قانونًا للجميع، أو سيبقى العالم ينظر إليه باعتباره انعكاسًا لموازين القوة.

والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس لماذا تقاوم الشعوب؟

بل، لماذا لا يتوقف العالم عن الاعتداء عليها أصلًا؟

فإذا أردنا عالمًا بلا مقاومة مسلحة، فلنبدأ أولًا ببناء عالمٍ بلا احتلال، بلا عدوان، بلا تدخلات مفروضة بالقوة، وبلا معايير مزدوجة.

عندها فقط يمكن أن يصبح السلام خيارًا حقيقيًا، لا اسمًا آخر يُطلب من الضعيف أن يدفع ثمنه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى