لبنان أمام ساعة الخطر..هل يتحوّل التصعيد إلى حرب جديدة؟

بقلم د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

لم يعد السؤال اليوم، هل يمكن أن يتصاعد الوضع في الجنوب اللبناني؟ بل أصبح السؤال الأخطر، إلى أي حدّ يمكن أن يصل هذا التصعيد، وهل نحن أمام مواجهة محدودة أم أمام الطريق إلى حرب جديدة؟
ما يجري في الجنوب لا يمكن قراءته بمعزل عن المشهد الإقليمي. فلبنان يقف في منطقة تتقاطع فيها الحسابات الإسرائيلية والأميركية والإيرانية، فيما يدفع الشعب اللبناني مرة جديدة ثمن صراعات لا يملك قرارها بالكامل.
إسرائيل لا تتعامل مع الجنوب باعتباره جبهة منفصلة، بل تنظر إلى حزب الله باعتباره جزءاً من منظومة إقليمية مرتبطة بإيران. ولذلك فإن أي تصعيد مع الحزب قد يتجاوز حدود الردّ العسكري المحدود، خصوصاً إذا اعتبرت إسرائيل أن التهديد الذي تواجهه لم يعد قابلاً للاحتواء بالوسائل التقليدية.
لكن هنا تكمن الخطورة الكبرى.
إن تفجير جبهة الجنوب قد لا يبقى محصوراً في الجنوب، فلبنان بلد صغير، وأي حرب واسعة ستعني تدمير ما تبقى من بنيته الاقتصادية والاجتماعية، وتهجير آلاف اللبنانيين، وتعميق الانهيار الذي لم يخرج منه البلد بعد. والأخطر أن إسرائيل قد تجد نفسها أمام معادلة مختلفة إذا توسعت الحرب: فحزب الله لن يكون وحده في المشهد، وقد تتداخل الجبهات الإقليمية، من إيران إلى سوريا والعراق واليمن، بينما تصبح المصالح الأميركية في المنطقة جزءاً من الحسابات.
وهنا يأتي الدور الأميركي، واشنطن تستطيع الضغط على إسرائيل لمنع الانزلاق إلى حرب شاملة، كما تستطيع الضغط على لبنان وحلفائه لمنع توسع المواجهة. لكن المشكلة أن المصالح الأميركية والإسرائيلية ليست متطابقة دائماً، وقد يجد كل طرف أن لديه حساباته الخاصة في كيفية إدارة هذه الأزمة.
أما لبنان، فيبدو مرة أخرى عالقاً بين مطرقة إسرائيل وسندان السلاح خارج إطار الدولة.
وهذه هي المأساة اللبنانية الحقيقية.
فلا يمكن بناء دولة مستقرة في ظل وجود قرارين للحرب والسلم، كما لا يمكن حماية لبنان عبر تحويل أرضه إلى ساحة دائمة لتصفية الحسابات الإقليمية.
لكن في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن الاحتلال أو التوغل الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية لا يمكن أن يتحول إلى أمر طبيعي أو مقبول.
المعادلة الصحيحة يجب أن تكون واضحة..لا حرب يقررها طرف واحد، ولا احتلال تقرره إسرائيل، ولا وصاية خارجية على لبنان.
لبنان يحتاج إلى قرار سيادي واحد، وإلى جيش قوي، وإلى دولة تمتلك وحدها قرار الحرب والسلم، وإلى سياسة خارجية تحمي مصالحه بدلاً من استخدامه كساحة صراع.
والساعات المقبلة قد تكون حاسمة.
إذا بقي التصعيد ضمن حدود الرسائل العسكرية والضربات المحدودة، فقد تكون هناك فرصة للعودة إلى التفاوض. أما إذا انتقلت إسرائيل إلى عملية عسكرية واسعة، أو اتخذ حزب الله قراراً بتوسيع الرد، فإن قواعد اللعبة قد تتغير بسرعة، وقد يصبح احتواء الحرب أصعب بكثير.
لذلك فإن المطلوب من جميع القوى اللبنانية اليوم ليس إطلاق الشعارات، بل منع الانفجار.
لبنان لا يحتمل حرباً جديدة، واللبنانيون الذين دفعوا ثمن الحروب والانقسامات والوصايات لعقود يستحقون أخيراً أن يعيشوا في وطن لا يكون فيه الجنوب صندوق بريد، ولا بيروت رهينة، ولا الدولة غائبة عندما يُتخذ القرار الأخطر.
إنقاذ لبنان يبدأ من استعادة قراره الوطني، فإذا لم يمتلك اللبنانيون قرارهم بأنفسهم، سيبقى الآخرون يقررون متى تبدأ الحرب، ومتى تتوقف، ومن يدفع ثمنها.
والوقت لم يعد يسمح بمزيد من الانتظار.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى