واشنطن تبدّل الحاملة.. لكن من يطارد من؟

في واشنطن يقولون: تناوب روتيني.
حاملة تدخل..
وأخرى تعود..
والجدول العسكري مستمر كالمعتاد.
لكن الجغرافيا العسكرية لا تعرف شيئًا اسمه «روتيني» عندما تتحرك حاملة طائرات أمريكية من شرق آسيا إلى الشرق الأوسط في لحظة تتقاطع فيها الحرب مع إيران، وأمن الخليج، وأزمة مضيق هرمز، وتنافس واشنطن مع الصين في المحيطين الهادئ والهندي.
الولايات المتحدة تدفع الآن بـ«جورج واشنطن» باتجاه الشرق الأوسط لتحل محل «أبراهام لينكولن»، التي بقيت في المنطقة لما يقرب من تسعة أشهر، في واحدة من أطول فترات انتشار حاملة أمريكية في الظروف الحالية.
والسؤال هنا ليس:
لماذا تبدّل الحاملة؟
السؤال الأخطر هو:
لماذا أصبحت واشنطن مضطرة إلى إبقاء حاملة طائرات باستمرار في هذه المنطقة؟
لأن الحاملة ليست مجرد سفينة..
إنها قاعدة جوية عائمة، ومركز قيادة، وأداة ردع، ورسالة سياسية في آن واحد.
وعندما تصر الولايات المتحدة على إبقاء هذه الأداة في منطقة مشتعلة، فهي لا تقول فقط: «نحن نحمي مصالحنا».
بل تقول أيضًا:
لا نريد أن نترك فراغًا يمكن لقوة أخرى أن تملأه.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
«أبراهام لينكولن» لم تغادر بعد انتشار قصير ومريح؛ فقد أمضت أكثر من 250 يومًا في مهمة طويلة، مع تقارير عن نقص في بعض الإمدادات ومشكلات تتعلق بظروف الطاقم والصحة النفسية. البنتاجون رفض تصوير الوضع باعتباره أزمة شاملة، لكن مجرد وصول الأمر إلى مستوى الاستجواب السياسي والبرلماني يكشف أن الانتشار الطويل بدأ يفرض ثمنه على القوة الأمريكية نفسها.
وهنا تظهر مفارقة أكثر أهمية.
فبينما ترسل واشنطن «جورج واشنطن» إلى الشرق الأوسط..
فإنها في المقابل تترك فجوة مؤقتة في وجود حاملات الطائرات الأمريكية بغرب المحيط الهادئ.
أي أن تعزيز جبهة يمكن أن يعني إضعاف الحضور في جبهة أخرى.
وهذا بالضبط ما يثير القلق لدى حلفاء الولايات المتحدة في آسيا، خصوصًا أن الصين تراقب كل حركة أمريكية في تلك المنطقة.
إذن..
هل تستطيع واشنطن أن تكون قوية في كل مكان في الوقت نفسه؟
هذا هو السؤال الذي تطرحه حركة «جورج واشنطن» أكثر مما تجيب عنه.
فالولايات المتحدة تمتلك إحدى أكبر وأقوى الأساطيل في العالم، لكن امتلاك القوة شيء..
وتوزيعها جغرافيًا شيء آخر.
حين تحتاج واشنطن إلى سحب حاملة من منطقة المحيط الهادئ وإرسالها إلى الشرق الأوسط، فإنها تكشف بصورة غير مباشرة أن القوة الأمريكية ليست بلا حدود.
وهنا علينا أن نعيد قراءة مفهوم الردع.
الحاملة لا تحقق الردع لمجرد وجودها.
الردع يتحقق عندما يقتنع الخصم بأن الولايات المتحدة تستطيع استخدام هذه القوة، وحمايتها، وإمدادها، واستمرار تشغيلها، وتحمل الخسائر إذا دخلت الحرب.
أما إذا أصبحت الحاملة بحاجة إلى شبكة ضخمة من المدمرات والطائرات وأنظمة الدفاع والحماية حتى تستطيع العمل بأمان، فإن السؤال لا يعود عن قوة الحاملة وحدها..
بل عن تكلفة حماية هذه القوة.
والأهم..
أن خصوم الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إلى حاملات الطائرات كما كان ينظر إليها العالم قبل عقود.
الصواريخ بعيدة المدى..
الطائرات المسيّرة..
الغواصات..
الاستطلاع الفضائي..
الحرب الإلكترونية..
والقدرة على تعقب القطع البحرية الكبرى..
كلها جعلت البحر أكثر تعقيدًا.
الحاملة ما زالت سلاحًا بالغ القوة..
لكنها لم تعد بالضرورة سلاحًا لا يمكن الاقتراب منه.
وهنا تكمن المفارقة.
كلما زادت قيمة الحاملة.. زادت قيمة استهدافها.
فهي ليست مجرد قطعة بحرية يمكن التضحية بها.
إنها مليارات الدولارات..
وآلاف البشر..
وعشرات الطائرات..
وشبكة قيادة وسيطرة..
ورمز سياسي هائل.
ولهذا فإن خسارة حاملة أمريكية في حرب كبرى لن تكون مجرد خسارة عسكرية.
ستكون صدمة استراتيجية وسياسية.
ومن هنا يمكن فهم الإصرار الأمريكي على تدوير حاملات الطائرات بدل سحبها نهائيًا.
واشنطن لا تريد أن تقول:
«لم نعد بحاجة إلى وجودنا هنا.»
بل تريد أن تقول:
«نحن هنا.. وسنظل هنا.»
لكن خلف هذه الرسالة توجد رسالة أخرى أقل صخبًا:
نحن لا نستطيع أن نكون في كل مكان بالثقل نفسه.
وهذا ما يجعل انتقال «جورج واشنطن» من آسيا إلى الشرق الأوسط أكثر أهمية من مجرد عملية تبديل.
فإذا كانت الحاملة الجديدة تعزز الضغط على إيران..
فإن غيابها المؤقت عن المحيط الهادئ يمنح الصين مساحة إضافية للمراقبة والحركة والمناورة.
وبذلك تتحول الخريطة الأمريكية إلى معادلة شديدة التعقيد:
الشرق الأوسط يحتاج إلى الحاملة..
والمحيط الهادئ يحتاج إليها أيضًا.
لكن الحاملة لا تستطيع أن تكون في مكانين في الوقت نفسه.
وهنا ربما يكون السؤال الحقيقي الذي يجب أن يشغل واشنطن:
هل تعيد أمريكا توزيع قوتها لأنها تملك فائضًا من القوة؟
أم لأنها بدأت تكتشف أن العالم أصبح أكبر من أن تديره حاملات طائرات قليلة مهما بلغت قوتها؟
الحكاية إذن ليست عن «جورج واشنطن» وحدها..
ولا عن «أبراهام لينكولن» وحدها.
الحكاية عن حدود القوة الأمريكية عندما تضطر إلى إدارة أكثر من جبهة في وقت واحد.
والسؤال الأخير أكثر إزعاجًا:
كم حاملة تحتاج أمريكا حتى تشعر أنها تسيطر على العالم؟
وربما السؤال الأدق:
ماذا لو اكتشفت واشنطن يومًا أن المشكلة لم تعد في عدد حاملاتها.. بل في عدد الأماكن التي أصبحت مضطرة إلى إرسالها إليها؟