هالة الدسوقي تكتب : بعد مذبحة الثانوية.. ليس نهاية العالم ألا يصبح ابني طبيباً!

لم يكف والدي عن مناداتي يوماً “دكتورة هالة”.. كم كان هذا اللقب يبهج قلبي كثيراً! ولقد ظللت منذ نعومة أظافري وأنا أجاهد من أجل هذا اللقب، ومن أجله أيضاً خضت ماراثون الثانوية العامة مرتين، وفي المرتين لم أحصل على مجموعها!!
ففي السنة الأولى حصلت على 92.6%، وهو المجموع الذي أهلني لكلية الألسن، ولكني لم أرد أن أتراجع عن حلمي.. رغم أني أعشق الرسم وقد نصحتني إحدى مدرساتي بخوض امتحانات القدرات للالتحاق بكلية الفنون الجميلة، وأذكر كلامها لي بالحرف: “أرجوكِ ادخلي امتحان القدرات عشان تدخلي فنون جميلة”، وقتها كان ردي حازماً: “لا… أريد الالتحاق بكلية الطب”، وقتها لم تكن لدي “ثقافة البديل”.
وخضت امتحانات الثانوية للمرة الثانية لأحصل على 95.6%، وهو مجموع الطب في السنة السابقة، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن؛ فقد ارتفعت درجات الطب لتصبح 97%،
وبمجموعي التحقت بكلية الإعلام جامعة القاهرة، وهو ما تقبلته، بل وأحببته لأصبح صحفية ولست طبيبة.
ومن أجل كلية الطب – التي أصبحت عقدتها مثل عقدة الخواجة- تحطمت آمال الآلاف على صخرة المجموع. وخلال مذبحة الثانوية العامة نسمع عن ضحايا كثر يخذلهم المجموع،
وآخرين لا يريدون الالتحاق بها ومجموعهم يتفق معها ومع رغبة أهلهم، فيلتحقون بها عنوة دون رغبة منهم.. لِحَمْلِ لقب “الطبيب”.
وللعلم نحن مجتمع طبقي معقد؛ فقد صُنّفنا ما بعد الثانوية لكليات قمة وقاع..
وأرى أن نفيق من تلك العنصرية التصنيفية -إن جاز التعبير- ولا نزرع داخل أولادنا تلك النظرية التي لا تقدم ولا تؤخر، بل تضعهم في قالب واحد يفتقر إلى المرونة، ويصب في إطار صعوبة ترتجف معها قلوبهم، وتتحكم بأعصابهم، وتدور برؤوسهم في فلك لا بديل له..
وعلينا أن نعرف أنه ليس نهاية العالم ألا يصبح ابني طبيباً، ولنتخلَّ نحن الآباء عن نظرية “ابني طبيب” لعدة أسباب، أولها “الحرية” علينا أن نكف عن رسم مستقبل أولادنا من خلال رغباتنا نحن، ولنتركهم لما يحبونه، وليضعوا خطة مستقبلهم بأيديهم، وهذا لا يعني أن يركنوا للراحة، ولكن ليجتهدوا على أكمل وجه ويلتحقوا بالكلية التي يرون فيها أنفسهم حتى وإن حصلوا على 100%.. وقتها سوف يستطيعون العطاء بلا حدود، بل ويبدعون في عملهم أيضاً. ودائماً ما أردُّ على من حولي أن “هناك أمران لا يصلح معهما الإجبار: التعليم والزواج”.
وأما السبب الثاني فهو وجوب التوقف عن تصنيف الطبيب بأنه الأفضل على الإطلاق؛ فكل وظيفة في مجتمعنا لها أهميتها، وللعلم فإن أعلى الوظائف مكانة اجتماعية في اليابان من نصيب “المعلم” الذي يخرج من تحت يده الطبيب والمهندس والمحاسب والمحامي والفنان… إلخ.وهي الدولة الأكثر تقدماً على مستوى العالم.
سبب ثالث لرفض نظرية “ابني طبيب”.. وهو كثرة أعداد الأطباء الآن.. ولا يقوم المجتمع بالأطباء فقط، فهو بحاجة لكل المهن، بل إننا أصبحنا بحاجة إلى الفنيين أكثر، وهم الآن الأعلى أجراً لقلة عددهم وشديد الاحتياج لهم.
السبب الرابع هو كم المعاناة التي تلاحق دارس الطب، الذي يعاني فيها من كثرة الضغوط وصعوبة المواد وطول سنوات الدراسة؛ فهي تحتاج لمن يعشقها ليصبر على تعبها.
أما السبب الذي يجعلني أنظر لتلك المهنة بأنها ليست الأفضل فهو الافتقار لروحها تلك الأيام على يد البعض من أبنائها؛ فما زال الألم يعتصر قلبي كلما استحضرت ليلة وفاة والدتي..
في تلك الليلة لم أَرَ ملائكة الرحمة، بل تحولوا لزبانية العذاب، وهو ما كتبت عنه في مقالي “أصعب ليالي العمر”؛ أراهم قد نزعوا قلوبهم ووضعوا مكانها أحجاراً صماء لا تسمع صرخات المرضى، ولا تشعر بآلامهم، ولا ترحم ذويهم.
والمهنة أخلاقيات تسمو بمن يتقلدها عن كل عيب، وهو ما لا يعترف به “لصوص الأعضاء” ممن يرغبون في الثراء الفاحش.. كفانا الله وإياكم شر هؤلاء.
الخلاصة يا سادة.. نحن نحتاج إلى أن نبني إنساناً ذا ضمير يتمتع بالإنسانية في كل المهن، يصلح ولا يفسد.. سواء كان طبيباً أو محاسباً أو مزارعاً أو محامياً أو ضابطاً.. أو… أو… أو وهذا هو بيت القصيد: أن نكون بشراً قبل الركض وراء الألقاب