حين تتفق السلطة على نفسها… وتختلف مع الوطن

بقلم : د. ليون سيوفي

باحث وكاتب سياسي

غريبٌ أن يختلف نواب الوطن على كل شيء تقريباً، وأن ينقسموا حول القضايا المصيرية، ويتبادلوا الاتهامات والخطابات، ثم يجدوا فجأة لغةً مشتركة عندما يتعلق الأمر بزيادة رواتبهم ومكتسباتهم.

هنا لا تعود القضية قضية راتب أو تعويضات، بل يصبح السؤال أعمق..

هل ما زالت المجالس النيابية، بصيغتها الحالية، تعبّر فعلاً عن إرادة الشعب؟

منذ الثورة الفرنسية عام 1789، ترسخت فكرة البرلمان باعتباره أداةً لتمثيل الشعب، وأصبحت الأكثرية العددية إحدى أهم قواعد العمل الديمقراطي. لكن مرور أكثر من قرنين يفرض علينا أن نسأل: هل الأكثرية تعني دائماً الأفضل؟ وهل من يفوز بالأكثرية يمتلك بالضرورة الحقيقة والكفاءة والقدرة على إدارة الدولة؟

التاريخ يقول إن العدد لا يصنع الحقيقة.

قد تكون الأكثرية على حق، وقد تكون مخطئة. وقد تتحول الانتخابات، في بعض الأنظمة، إلى وسيلة لوصول أصحاب المال والنفوذ والطائفية والحزبية إلى السلطة، ثم تتحول السلطة بدورها إلى شبكة تحمي نفسها تحت عنوان «التمثيل الشعبي».

وهنا تكمن المفارقة اللبنانية.

النائب يُنتخب باسم الشعب، لكنه قد يصبح تابعاً للحزب أو الزعيم أو المصالح السياسية. والمواطن الذي منحه صوته يصبح بعد الانتخابات مجرد متفرج على قرارات تُتخذ باسمه.

الأكثرية لا تمنح أحداً حق امتلاك الوطن، والانتخاب لا يعطي السياسي شيكاً على بياض.

حتى الرسالات السماوية لم تجعل العدد معياراً مطلقاً للحق، بل وضعت العدل والحكمة والمسؤولية في مواجهة منطق اتباع الجماعة لمجرد أنها أكثر عدداً.

لذلك، فإن المطلوب ليس إلغاء الديمقراطية ولا استبدال البرلمان بالاستبداد، بل إعادة التفكير في شكل الديمقراطية نفسها: كيف ننتقل من ديمقراطية الأرقام إلى ديمقراطية المسؤولية؟ ومن تمثيل الأشخاص إلى تمثيل المصالح الحقيقية للمواطنين؟ ومن سلطة تحاسب الشعب إلى سلطة يعرف الشعب كيف يحاسبها؟

وهنا تحديداً يبرز سؤال الدستور اللبناني.

أما آن الأوان لأن نمتلك الشجاعة لإعادة النظر في الدستور اللبناني؟ فالدستور ليس نصاً مقدساً لا يتغيّر، بل عقدٌ ينظّم حياة الدولة ويتطور بتطور المجتمع وحاجاته. وبعد عقود من الأزمات والانقسامات والتعطيل والمحاصصة، أصبح من الضروري فتح نقاش وطني حول صيغة دستورية جديدة أو تعديلات جذرية تعيد تعريف العلاقة بين السلطات، وتحدّ من الطائفية السياسية، وتعزّز استقلال القضاء والمحاسبة، وتمنع تعطيل المؤسسات، وتضع الكفاءة والمصلحة الوطنية فوق الولاءات الطائفية والحزبية.

نحن لا نحتاج إلى دستور جديد لتغيير الوجوه، بل إلى دستور جديد يغيّر قواعد اللعبة ويجعل الدولة أقوى من الزعيم، والقانون أقوى من السلطة، والمواطن أقوى من الطائفة.

فالدولة لا تحتاج إلى نواب يتفقون على مصالحهم ثم يختلفون على مصالح الناس.

الدولة تحتاج إلى مؤسسات تختلف عندما يكون الاختلاف في خدمة الوطن، وتتفق عندما يكون الاتفاق في خدمة المواطن.

وإذا كان نواب لبنان قادرين على تجاوز خلافاتهم بسرعة عندما يتعلق الأمر بزيادة رواتبهم، بينما يعجزون عن الاتفاق على إنقاذ بلد ينهار وشعب يزداد فقراً، فربما لم يعد السؤال: من ننتخب؟

بل أصبح، هل آن الأوان لأن نعيد التفكير في الطريقة التي ننتخب ونحكم بها؟

فالديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط،

والأكثرية ليست دائماً على حق،

والبرلمان ليس فوق المحاسبة.

وعندما تتفق السلطة على نفسها وتختلف على الوطن… يصبح إصلاح النظام السياسي ضرورة، لا ترفاً.

حين يتفق المسؤولون على المخالفة… من يحاسبهم؟

عندما يغطي رئيس البلدية مخالفةً واضحة، أو عندما يتوافق مع قائمقام المنطقة على موقفٍ يؤدي إلى تعطيل تطبيق القانون، فأين يصبح القانون؟ وأين تقف وزارة الداخلية والجهات الرقابية أمام هذه التجاوزات؟

فـرئيس البلدية ليس رئيساً للجمهورية، وقائمقام المنطقة ليسا فوق القانون؛ كلاهما مسؤول في منظومة الدولة، ولكل منهما صلاحيات محددة يفترض أن تُمارس ضمن القانون، لا أن تُستخدم لتجاوز القانون أو تعطيله.

إن وظيفة المسؤول ليست حماية المخالف، ولا عقد التسويات على حساب القانون، بل تطبيق القانون على الجميع دون استثناء. فإذا كان هناك إشغال للأملاك العامة، أو مخالفة بناء، أو أي تجاوز إداري، فالمطلوب هو اتخاذ الإجراءات القانونية، لا البحث عن غطاء سياسي أو إداري للمخالفة.

وهنا يصبح السؤال موجهاً إلى وزارة الداخلية والبلديات: من يراقب أداء البلديات والقائمقامين؟ ومن يحاسب المسؤول عندما يتجاوز حدود صلاحياته أو يمتنع عن تطبيق القانون؟

المواطن لا يريد واسطةً ولا تسويةً؛ يريد دولة.

فإذا كان القانون يُطبَّق على المواطن العادي، بينما يجد المخالف حمايةً من بعض المسؤولين، فهذه ليست دولة قانون، بل دولة استثناءات.

رئيس البلدية موظف في موقع مسؤولية، وقائمقام المنطقة موظف في موقع مسؤولية، وكلاهما مؤتمن على تطبيق القانون لا تعطيله.

فإذا اتفق المسؤولون على حماية المخالفة، فمن يحمي المواطن؟ ومن يحمي هيبة الدولة؟

القانون يجب أن يكون فوق الجميع… لا أن يكون الجميع فوق القانون…

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى