الشرق الأوسط… بين إعادة رسم موازين القوى وولادة النظام الإقليمي الجديد

د. ليون سيوفي 

باحث وكاتب سياسي

 

ر الشرق الأوسط اليوم على حافة مرحلة مفصلية لا تشبه ما سبقها. فالمنطقة لم تدخل سلاماً دائماً، كما أنها لم تنزلق إلى حرب إقليمية شاملة، بل تعيش مرحلة انتقالية تُعاد فيها صياغة موازين القوى ورسم خرائط النفوذ. الجميع يناور، والجميع يفاوض، والجميع يستعد لليوم الذي ستتحدد فيه قواعد النظام الإقليمي الجديد.

في لبنان، يبقى المشهد الأكثر حساسية مرتبطاً باستمرار تنفيذ الإطار الأمني الذي ترعاه الولايات المتحدة، والقائم على انسحاب إسرائيلي تدريجي من مناطق في جنوب لبنان مقابل ترتيبات أمنية تعزز دور الدولة والجيش اللبناني. غير أن التنفيذ لا يزال يصطدم بعقبات ميدانية وسياسية، وفي مقدمتها مسألة السلاح خارج سلطة الدولة، ما يجعل أي تقدم بطيئاً ومحفوفاً بالتعقيدات. وفي الوقت نفسه، تواصل إسرائيل تنفيذ عمليات عسكرية محدودة داخل الأراضي اللبنانية، فيما لم يتحقق الانسحاب الكامل حتى الآن.

أما داخلياً، فقد عاد ملف تطبيق قانون مقاطعة إسرائيل إلى الواجهة بعد إثارة قضية أنطوان الصحناوي، الأمر الذي أعاد فتح النقاش حول استقلالية القضاء، ومبدأ المساواة أمام القانون، وضرورة تطبيق التشريعات على الجميع من دون استثناء أو انتقائية.

إن لبنان يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي؛ فإما أن تستعيد الدولة قرارها الأمني والسيادي بالكامل، وإما أن يبقى البلد ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، يدفع شعبه ثمن صراعات لا يملك قرارها.

وفي المقابل، تحاول إيران تثبيت نفوذها الإقليمي مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، مدركة أن كلفة الحرب ستكون باهظة على مختلف المستويات. ورغم استمرار الاتصالات الدبلوماسية، فإن التوتر مع الولايات المتحدة ما زال قائماً، وأي حادث أمني قد يعيد المنطقة سريعاً إلى دائرة التصعيد. لذلك تبدو طهران متمسكة بعدم تقديم تنازلات مجانية، لكنها تدرك أيضاً أن استمرار المواجهة المفتوحة ليس خياراً يمكن تحمله إلى ما لا نهاية.

أما الولايات المتحدة، فتواصل اعتماد سياسة تجمع بين الضغط العسكري والاقتصادي من جهة، والإبقاء على باب التفاوض مفتوحاً من جهة أخرى. وهي تستمر في رعاية الترتيبات الأمنية في لبنان، بالتوازي مع تركيزها على حماية الملاحة الدولية في الخليج والبحر الأحمر، ومنع توسع أي مواجهة قد تهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية.

وفي الخليج، تسعى الدول العربية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، إلى تجنب حرب إقليمية مباشرة، مع التشديد في الوقت نفسه على حماية أمنها الوطني ومنشآتها الحيوية. فاستقرار مضيق هرمز والبحر الأحمر لم يعد قضية إقليمية فحسب، بل أصبح ركناً أساسياً من أركان الأمن الاقتصادي العالمي، وأي اضطراب فيهما ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود المنطقة.

أما العراق، فلا يزال يحاول الحفاظ على توازن دقيق بين واشنطن وطهران، إلا أن هذا التوازن يزداد هشاشة مع استمرار نشاط الفصائل المسلحة وتصاعد الضغوط على الحكومة. ولذلك يبقى العراق من أكثر الساحات عرضة للتأثر بأي تصعيد بين الولايات المتحدة وإيران.

وفي سوريا، ورغم انخفاض وتيرة المعارك الكبرى مقارنة بالسنوات السابقة، فإن الاستقرار الشامل لا يزال بعيد المنال. فالبلاد ما زالت تمثل نقطة التقاء وتنافس للمصالح الروسية والإيرانية والتركية والإسرائيلية والأميركية، ما يجعل أي تسوية نهائية رهناً بتفاهمات دولية وإقليمية لم تنضج بعد.

إن ما يجري اليوم ليس مجرد إدارة لأزمات متفرقة، بل عملية إعادة هندسة للتوازنات السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط. فكل دولة تحاول تثبيت موقعها، وكل قوة كبرى تعمل على توسيع نفوذها، بينما تتغير التحالفات وفقاً للمصالح لا للشعارات.

فالشرق الأوسط لا يعيش اليوم مرحلة سلام، ولا يعيش حرباً شاملة، بل يعيش مرحلة إعادة رسم خرائط النفوذ. والسؤال لم يعد: من سيربح الحرب؟ بل: من سيكتب قواعد النظام الإقليمي الجديد عندما تنتهي هذه المرحلة؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى